.jpg)
من يبلغ معراب ينتابه شعور بالسكينة إلى حدّ الطمأنينة والأمان، وبصفاء الذهن إلى درجة الحكمة واليقين. تنظر حواليك فترى جبالاً وودياناً، وكلّ ما دون ذلك صغير الحجم والأهمية، فتتجرّد بلحظة نظرتك للأمور، أكانت على مرآك ومسمعك أم في مخيلتك وعقلك، وترى الأشياء للحظة على حقيقتها، آنية فانية، تماماً كما ترى نفسك: مجرد عابر سبيل أينما وجدت وحيثما اتجهت.
هو نفسه الشعور بالصفاء والهدوء يخالجك متى نظرت إلى “الحكيم” وصافحته وتحدثت إليه، إذ لا بدّ أن تكون قلعة معراب قد أضفت على ماردها شيئاً من صلابتها ونقاوة هواها وحصانة جدرانها. يبادرك سمير جعجع بالسلام منادياً باسمك حتى ولو كنت تلتقيه للمرّة الأولى، فتخال نفسك تعرفه منذ فترة.
يعبّر عن نظرته للأمور بصوت منخفض ورؤية جليّة، ويُصرّ على أنّ في السياسة، لا بدّ من أن تكون المواقف واضحة، وأن يبوح السياسي عن قناعاته من دون تردّد أو ضبابية. ففي مواقف “عدم الإنحياز” مراوغة بغيضة، وفي المواقف الرماديّة تلكؤ غير مجدٍ.
وبهذا الوضوح الذي ينادي به، يخوض شتى المواضيع الداخلية والإقليمية، ولا يتردّد في لوم “حزب الله” على عددٍ لا يستهان به من الأزمات العالقة. فهو يرى أنّ أهم التعقيدات السياسية في البلاد ناتجة عن سياسة ومواقف وتصرفات الحزب، وعلى رأسها أزمة الرئاسة الأولى. والحلّ في هذا الموضوع غير متاح حتى الساعة، ليس لأنّ على اللبنانيين انتظار تبلور المشهد السياسي في سوريا كما يشاع، بل لأنّ “حزب الله” لا يريد رئيساً. فهو المستفيد الأكبر من الفراغ الحاصل، وهو يسعى جاهداً للإبقاء عليه. إذ أنّ غياب الدولة، أو أقله منطق الدولة الضعيفة، تخدم مصالحه. فوجوده المسلّح يتنافى مع منطق الدولة القويّة، واختياره القتال في سوريا لما كان ممكناً في وجود دولة متماسكة.
العلاقة مع “حزب الله”
وبناء على هذه المعتقدات، يتحدّث جعجع عن علاقة “القوات اللبنانية” بـ”حزب الله”، فيقول إنّ “الوجود السياسي للحزب قائم ونعترف به، إنّما يبقى الرفض التام لبعض توجهاته الأساسية ومن ضمنها موضوع حمل السلاح والتصدي لقيام الدولة والقتال في سوريا، وكذلك الهجوم على المملكة العربية السعودية من دون مبرّر سوى الإعتبار الإيراني الذي لا يخدم مصالح لبنان واللبنانيين، خصوصاً العاملين منهم في السعودية وبلاد الخليج.
ويصرّ “الحكيم” على ضرورة تأمين مقومات الدولة القوية ابتداءً من انتخاب رئيس للجمهورية طبقاً للدستور، الذي يحتّم على المجلس النيابي أن يتحول إلى هيئة ناخبة متى التأم لانتخاب رئيس، وذلك حتى إنجاز هذه المهمة. وفي ظلّ هذا الواقع، يبقى تشريع الضرورة هو الاستثناء لا القاعدة، أو كما يقول جعجع قطعة صغيرة من ثوب كامل ولا يمكن ان يتحوّل الى الثوب نفسه.
مشروع تعديل دستوري لانتخاب الرئيس
ولـ”القوات اللبنانية” مشروع لتعديل دستوري، سوف تطرحه على المجلس بعد انتخاب الرئيس العتيد، لتحاشي الوقوع في أزمة رئاسية مماثلة مستقبلاً. ويقوم المشروع على انتخاب الرئيس على مراحل ثلاث، أيّ بأغلبية الثلثين في مرحلة أولى وبالنصف زائد واحد بمرحلة ثانية إذا لم تُفلح المحاولة الأولى، وهو ما ينصّ عليه الدستور حالياً، على أن يُصار إلى التصويت بمن حضر في الجلسة الثالثة إذا تعذّرت الإنتخابات في المرحلتين الأولى والثانية.
ويرى جعجع أنّه من الصعب التنصل من هذا المشروع تحت أيّ حجّة، فهو يؤمن انتخاب رئيس مهما كانت الظروف، ومن يعارضه يعترف ضمناً بنيات سيئة في هذا المجال. ويلاحظ ساخرا ان من شأن هذا الإقتراح، اذا أقرّ، تأكيد حصول الإنتخابات الرئاسية بل أيضاً تأمين حضور الجميع منذ الجلسة الأولى خوفا من التغييب السياسي لاحقاً.
وأما بالنسبة إلى الأزمة الحكومية المتفاقمة على خلفية سقوط التسويات المقترحة لإرضاء الجنرال ميشال عون، فيرجّح جعجع ان يستمرّ عمل الحكومة حسب جدول الاعمال الذي يناسب “حزب الله”، فيقنع هذا الأخير حلفاءه بالمشاركة متى تلاءمت المواد المطروحة مع مصالحه، ويتذرّع بتحالفاته للتنصل من الجلسات غير المجدية له.
ومن استمع الى آراء جعجع في السياسة الداخلية اجمالا، ينتابه الانطباع ان ليس من مشكلة بين معراب وبين الرابية، سوى أن “الحكيم” يفتخر بورقة النيات التي وقعها مع عون ويعتبرها إنجازاً مسيحياً كبيراً يُبنى عليه وهو قابل للتطور والتقدم سياسيا ومجتمعيا. واهم ما حققته هذه الورقة انها طوت ثلاثين سنة من الصراع المسيحي- المسيحي الى غير رجعة، وسهلت استثمار ما يتفق عليه وحولت الخلافات السابقة الى اختلافات إيجابية لا اكثر. وإذا تعثرت في الكلام عن علاقته بعون وناديته خطأ بـ”الجنرال”، يهزّ رأسه ويمازحك قائلا: “له له له، شو رح يقول الجنرال اذا عرف”؟
العلاقات الإقليمية الى تأزم
ويرى جعجع أن العلاقة بين إيران والسعودية إلى تأزّم، إذ أن إيران تريد مدّ سلطتها على كل منطقة الهلال الشيعي، وهي منطقة خارج نفوذها الطبيعي وهذا شيء لا يمكن للمملكة السعودية ان تقبل به. ومن هذا المنطلق، لا يؤمن جعجع بمبدأ المقايضة بين هاتين الدولتين في ما يتعلق بدول النزاع في المنطقة، فمن يربح في اليمن مثلا لن يتنازل في سوريا كما هو مرجّح، بل العكس تماماً، فالجهة الرابحة سوف ترغب بالمزيد، وكل واحد يحاول “نتش” اكبر حصة ممكنة من المنطقة.
وحول النزاع في سوريا، يقول جعجع ان الجميع يريد محاربة “داعش”، ولكن تختلف المواقف بالنسبة إلى الرئيس السوري بشار الأسد. فروسيا وإيران تريدان بقاء هذا الأخير، والولايات المتحدة غير مبالية فعلياً لهذا الأمر بينما دول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها السعودية، وكذلك تركيا، كلها تريد التخلص من الاسد لانها ترى فيه شرّا أخطر من “داعش” نفسه.
علاقة جعجع بدول الخليج
وعن علاقاته المميزة ببلدان مجلس التعاون الخليجي وخصوصا السعودية، يقول جعجع ان نظرة هذه الدول للبنان متطابقة تماماً مع نظرة آذار 14 له، ومن هنا التقارب الحاصل معها. فهذه الدول تطمح الى قيام دولة قوية محصّنة ومستقرة في لبنان من دون سلاح جانبي، والدليل على ذلك المليارات الأربعة التي قدمتها السعودية للجيش اللبناني، مليار منها دُفعت عبر رئيس تيار “المستقبل” سعد الحريري، والمليارات الثلاثة المتبقية عبر التمويل لمعدات تؤمنها الدولة الفرنسية للجيش اللبناني. ويلقي جعجع مسؤولية التأخير في دفع هذه الهبة على الوضع القائم في لبنان وغياب دولة متكاملة وفعالة تُشجّع على إتمامها.
وفي ما يتعلق بالحفاوة الخاصة التي ميّزته بها هذه الدول مؤخراً، حتى عن اقرب الحلفاء لها في 14 آذار، فهي ان دلت على شيء، فعلى الثقة والاحترام التي يحظى بها “الحكيم” في المحيط الخليجي من جراء مواقفه. ويروي جعجع انه عندما زار السعودية وقطر، كان يرغب في التعرف الى الحكام الجدد لهذه الدول، ولم يكن يعلم انه سوف يلتقي الملك شخصيا اذ لم يكن هنالك من موعد محدّد في هذا الإطار. وغالبا ما تُحدَّدُ المواعيد مع الملوك متى أوشكت الزيارة على الانتهاء وليس قبلها، فإذا حُدّد اللقاء في اول الزيارة كما حصل مع جعجع، جاء هذا الإجراء بمثابة علامة تكريم فائقة، لا بدّ التوقف عندها وقراءة معانيها.
يستنتج زائر معراب أن جعجع هو الحليف المسيحي القوي لخط دول مجلس التعاون الخليجي، وللسعودية تحديداً على صعيد لبنان والمنطقة. ومن المنطقي أن تكون مواقف جعجع المتشددة من “حزب الله”، ومن خلالها من النفوذ الإيراني في لبنان، عبر البوابة المسيحية التي يطل عليها رجل معراب على المنطقة، قد شكلت حافزاً أساسياً للسعودية وحلفائها للتقرب منه واحتضانه.
وفي النهاية، سواء أقنعك “الحكيم” أم لم يقنعك، فلا بدّ من الإعتراف بأنّه قد نجح في فرض نفسه في الساحة الداخلية كحالة سياسية من أبرز الحالات… حتماً.