
لا بد َ من تحديد موضوعي لكلمتي الخلاف والإختلاف اللتين تبدوان في الظاهر متشابهتين، إلا أنهما مختلفتين تماماً.فالخلاف معناه الصراع والشجار والخصومة، أما الإختلاف فهو التباين والتنوَع وعدم التطابق.
لقد نشأ مجتمعنا على ثقافة يسود فيها الخلاف الذي ترسَخ في اللاوعي الجماعي، وذلك بسبب ظروف رافقت هذه النشأة. وبدأت هذه الثقافة داخل الأسرة نفسها حيث يفرض الأب رأيه على الجميع ويتخذ قراراته وحده، ويجعل الآخرين يتبنون هذه القرارات من دون مناقش. هذه العدوى ما لبثت أن انتشرت في المجتمع عموماً، فراح الواحد منا يفرض رأيه على غيره وكأنه يحاول أن يجعل الناس يبدَلون أشكالهم بشكله، من دون أن يعي أن توحَد الآراء مستحيل وكأن الناس جرى صبَهم في قالب واحد، ولأن المجتمع كلَ لا يتجزأ، طاولت هذه الثقافة ايضاً الحركة السياسية، على مستويي النظام والساسة لاسيما أولئك الذين اعتبروا أنفسهم فوق البشر، فاعتبر كلام الزعيم السياسي مقدساً او منزلاً وحقاً مطلقاً وحقيقة، أي لا يجوز مناقشته أو إبداء ملاحظة عليه. وساهمت بعض الزعامات الأحادية وكذلك المستَقوون في ترسيخ ثقافة الخلاف، فتبنَاها مجتمعنا ورفض الأختلاف شكلاً ومضموناً. وقلّد هؤلاء الأنظمة الشمولية والديكتاتورية بالتعرَض لمن يتجرَأ ويخالف رأيهم، وقد عانينا من عقوبات هذه الأنظمة الجائرة التي لا تجد حلاً سوى في الإلغاء الجسدي أو الإعتقال الأبدي في أحسن الأحوال. إن الإختلاف حالة حتمية والناس لم يُخلقوا على نموذج واحد، فكل إنسان هو نموذج خاص في فكره. ولما كان التعبير عن الرأي حقاً من حقوق الإنسان ومصاناً بالدستور والقوانين والشرعة الدولية، ولما كان الإختلاف في الرأي ظاهرة فكرية متقدَمة، أصبح من الضروري تربية المواطن على ثقافة الأختلاف وتقبَل الرأي الآخر. فثقافة الأختلاف تعني احترام كل وجهة نظر أو موقف أو رأي مهما كان مخالفاً لآرائنا، أو هي اعتراف بالرأي الآخر وبأن الجميع سواسية في حرية الفكر والمعتقد والقناعات.
ثقافة الإختلاف تعارض ثقافة الإلغاء والإقصاء والتّرهيب التي تمارسها الأنظمة الخائفة ومَن يحذو حذوها في لبنان، هؤلاء الذين يعتبرون أن كل من يخالفهم الرأي هو عدو يجب أزالته، وعليه فإن ثقافة الإقصاء أنتجت شرائح منافقة متحجَرة، معها ينعدم كل أمل في أي تطور حضاري، يجعل المجتمع فاقداً لروح المبادرة والانتاج الفكري السّلمي الذي يشكّل المسيرة الى الرقيّ.
من بديهيات الديمقراطية، أن نحسن الإختلاف وأن نتخلى عن الأفكار المسبقة والمواقف الجامدة وأن نقتنع بأن كل تعارض في الآراء هو غنى، وبأن التنوَع هو أمر ايجابي اذ ينير جوانب عديدة في الفكرة الواحدة. المطلوب وبألحاح، تنشئة على ثقافة الإختلاف والنقاش في بيئة سليمة تعترف بالرأي والرأي الآخر، وتعتبر الإختلاف سنَة وجودية ومن طبيعة الكائن البشري، فتغدو ميزة احترام الرأي الآخر واحدة من القيم التي تكوَن متطلبات التطور الفكري والحضاري.
واقعنا في لبنان أفرز بعض الزعماء السلطويين التلقينيين، منخفضي المستوى على صعيد تقبَل الرأي الآخر، الذين يمارسون سياسة الفرض الفوقية، وبهذا يفتقرون الى سلامة التفكير. من هنا اصبح المجتمع “متشرنقاً” محجوزاً في قمقم آراء الزعماء، يستعيدها عن غير وعي، ويدافع عنها وكأنها اللوح المكتوب. لذلك، فإن تعميم ثقافة الإختلاف يشكل حلاً لا بديل منه يسعى الى تعرية الخلفيات، والى بناء حيثية عنوانها الرأي الآخر.
نعم، إحترام الرأي الآخر هو موقف شجاع وضرورة لتمتين المشاركة، وهو حال نضوج لدور مميز في تحديث المجتمع. أوليس التقدَم يقوم على التشاركية والتفاعل بين المختلفات؟
إن تعددية الآراء ظاهرة حضارية إيجابية تعني تجاوز السلطوية الى الديمقراطية.
لذلك لا بدّ من جعل ثقافة الإختلاف مهارة مكتسبة، وفكرة تقبَل الآخر ممارسة عملية، وإعطاء الرأي الآخر المساحة نفسها التي نعطيها لرأينا، فتلاحق الأفكار المتباينة ينتج دائماً إثراء إنسانياً ووطنياً، ومَن له أذنان فليسمع.