
تعقيباً وتأكيداً على ما طرحه الإستشاري والباحث المهندس راشد سركيس في عدّة مُداخلات ومُشاركات مهنيّة وعلميّة تتعلّق بملف النفايات، ودفعا باتجاه الاضاءة المركزة على مبادئ اساسية كان يجب في المعنيين بالملف اعتمادها منذ زمن والاقرار بها، ونظراً لخطورة الوضع والحالة الطارئة التي وصلت اليها البلاد والقيّيمين عليها لا يجرأون إتخاذ أي قرار او تطبيق أي إجراء تنفيذيّ، كان لا بدّ على ممثلي “الإئتلاف المدني الرافض للخطة الحكوميّة للنفايات” عقد إجتماع إستثنائيّ بتاريخ 17/10/2015 للتشديد على ملاحظات وتوصيات توضح بعض الأسس والمبادئ التي اغفلتها الحكومة ولجنة النفايات في عملها (ربما عن قصد او عن جهل او عن عدم مهنيّة)، ليتهم يقومون بإعتمادها فوراً لتفادي وقوع الكارثة الأتية لا محالة ولتجنّب أن يتحمّل الجميع وزر نتائجها السلبيّة:
إنّه لإلزاميّ، عند وضع أي خطّة تتعلّق بالشأن عام، تحديد الأولويات وترتيبها على ضوء الحاجات الواقعيّة الحياتيّة:
فرص العمل – اليد العاملة: تخفيض نسبة البطالة المُتزايدة.
الزراعة: الحاجة الى السماد العضوي وسواه.
الصناعة: الحاجة الى مواد اوليّة في صناعات إعادة التدوير.
- المواقع الطبيعيّة المهجورة المُشوهّة: بمساحاتها الشاسعة، واجب وطنيّ اعادة تأهيلها وإستصلاحها “لإعادة لبنان أخضر ونظيف”.
وتحديداً يجب تركيز الانتباه الى ان العاطلين عن العمل يتزايدون يوميا في لبنان مما يفاقم الوضع الاجتماعي والمعيشي بشكل عام، وتعود ايّ مبادرة لخلق فرص عمل مثل إنشاء مراكز لفرز النفايات وأخرى للمعالجة (على عكس المطامر والمحارق)، بالفائدة الماليّة والمردود الداخلي (ماليّاً وإجتماعيّاً) على المجتمع برمته (خاصّة بالنسبة للّبنانيّين كما يُمكن ان تفيد سواهم كالسوريّين ولا سيّما تحسين ظروف العيش في المناطق النائية…)، وهذا ما تفتقده الحكومة طبعا في تخطيطها (اذا وجد)، وهو امر بديهي في نتيجة لامركزية معالجة النفايات ولا سيما اذا إستُخدمت التقنيات الحديثة المُختلفة على قياسات صغيرة ومتوسطة.
في حل المعضلات يبقى فعل العقلاء اكثر قربا الى الطبيعة، فكلما اقترب العمل الى ما تنتجه الطبيعة (او أعيد الى الأرض ما أنتجته أصلاً) كلما انتفت الثغرات الى حد كبير، وبالتالي انخفضت الكلفة وانسجمت الحلول بمفهومها العلمي مع طبيعة التفاعل المنطقي والعضوي (أي يكون قد تمّ “حسن التقدير والإنسجام ما بين الطبيعة والإنسان”) ليبقى الاقتراب الى الطبيعة هو الحل الانسب في كل مستويات المعالجة الانية والبعيدة المدى، مع اللجوء الى الوسائل التقليديّة إذا إنتفت مؤقّتاً الحديثة منها.
الاقرار الكامل وعن قناعة تامة بان النفايات هي ملكية عامة لا يمكن التعامل معها دون احترام رأي جميع المواطنين لأنهم يملكونها وهم أيضاً من انتجوها ومن سيتحمّلون نتائج مُعالجتها…
اعتبار النفايات مورد انتاج وطني وليس مصدر عبء وطني… أمّا تحويلها عبأً او عدم تأهيلها كموردٍ فهو بمثابة جريمة بيئيّة موصوفة، خصوصاً إذا كان المعنيّين الإدارات الرسميّة وممثليهم…
من الضروري ان تُعتمد ضمن الفترة الإنتقاليّة المبادىء والوسائل الملحوظة للفترة المُستدامة، بشكل تتحوّل فيه المرحلة الإنتقالية الى مفعول رجعي للمرحلة المُستدامة بل وتصبح توطئة لها وإلاّ ستنعكس كافة المفاعيل ويتحوّل المؤقت (الإنتقالي) الى مُستدام الذي سينتفي سريعاً ويزول…
فالمُقاربة الحالية المُعلنة من قبل الحكومة ولجنة النفايات هي مُقاربة خاطئة لن تنجح مهما كانت مُبرّراتها العلنيّة او أسبابها الخفيّة (بهدف إستراتيجيّ، كما يدّعي البعض منهم !)،
إذ يستحيل بالمنطق وبالعلم كما في الواقع التخطيطيّ والعملي، الإنتقال الى تطبيق حلّ مُستدام بيئيّ يقوم على تقسيمات “السلّم الهرمي البيئيّ” الخالي من أي “طمر” او “حرق” والمُثبّت في تقرير لجنة شهيّب، إنطلاقاً مُباشرة من عمليّات طمر شبه شامل كما هو مُقترح ضمن الفترة التمهيديّة (الإنتقاليّة) من قبل نفس هذه اللجنة…!
وعليه، مهلة الفترة الإنتقالية هذه كما هي مُفصّلة حاليّاً تحت عنوان “المطامر المركزيّة” ستحتاج إلزاميّاً الى التمديد مهما كان عدد المطامر المُشغّلة ومهما كانت مواصفات الفترة اللاحقة (المُستدامة): إن هي للخروج من مرحلة الطمر او لتثبيت على المدى البعيد اللجوء الى نفس تقنيّتها (أي الطمر) اوللإنتقال الى “المحارق المركزيّة”… لكن هنا، قد غاب عن ذاكرة أعضاء اللجنة كما الحكومة او ربما تناسوا الوقائع الثابتة أنّ هذه التقنيّة الأخيرة (الحرق) مرفوضة أصلاً…!
فلما كلّ هذا “الدوران في نفس المكان” والوقوع في فخ المُخاطرة بفشل زريع إن من قبل الحكومة او اللجنة نفسها، علماً انّ الحل السليم ضمن الفترة الإنتقاليّة موجود وواضح، عنوانه “الفرز المُتقدّم” (في الكرنتينا والعمروسيّة) و”المُعالجة الطبيعيّة للمواد العضويّة” (مع إعتماد مركز “الكورال” كإحتياط) خاصّة انّ المعدّات اللازمة الإضافيّة مُتوفّرة في السوق المحلّي والمساحات الضروريّة مؤمّنة (محميّة عمّيق مثلاً) وهذا الحلّ لا يحتاج سوى الى القليل من الجهد والتنظيم؛ أمّا إحتمال اللجوء فيه الى الطمر فهو إستثنائيّ ليس إلاّ ولكميّات قليلة جدّاً، وحتّى يمكن ان يُعوّض عنه بتُخزّين هذه الكميّات (العوادم الخاملة وما شابه) في المقالع اوالمرامل اوالكسّارات… (في منطقة أبو ميزان مثلاً)، بغية إعادة تأهيل هذه المواقع الطبيعيّة المهجورة والمشوّهة… (مع وجود مركز “بصاليم” كإحتياط) وحينئذ لا حاجة لإرسال أي مواد الى عكار ولا الى البقاع وحتّى تنتفي الحاجة الى برج حمّود…!!!؟؟؟
ويُمكن أن تتمّ المُباشرة بتطبيق هذه الخطّة فوراً (ضمن أسبوع الى 10 أيام) إذ انّها لفترة محدودة أقصاها 18 شهر وليس في الضرورة باللجوء الى “سوكلين” بل بدعوة المُشغلّين الذين ربحوا المناقصات الأخيرة لبيروت وجبل لبنان والذين كانت أسعارهم توازي أقل من نصف الأسعار المعتمدة حاليّاً في عقود “سوكلين”، والقيام بإختيار اكثرهم ملاءمة وأستعداد سريع للمباشرة… ومن المؤكّد انّ رئاسة الحكومة إن ارادت تستطيع ان تقوم سريعاً بهذه الإجراءات وبدون المرور بتعقيدات أنظمة مجلس الإنماء والإعمار، فالوضع ينطبق عليه وصف “الظروف القاهرة” و”الأحوال الطارئة” مهما حاول البعض التنصّل من ذلك والإستخفاف بأهمية وخطورة الواقع الحالي…
الطمر ليس حل حقيقي في معالجة النفايات (او البقايا) بل وسيلة “جبانة” للتخلّص منها بشكل غير مسؤول لأنّه غير نهائيّ (خصوصاً عندما يكون شبه كامل بالنسبة لهذه البقايا) إذ تترتّب عليه نتائج بيئية تمتد الى عقود من الزمن؛ فهو “كالتحفيض” بعكس “التطبيب” إضافة الى كونه أداة مُمنهجة لهدر أنواع عديدة من المواد الأساسيّة.
الحل الحقيقي (حتّى ضمن أيّ مرحلة إنتقاليّة) هو بالمعالجة التي تحترم كلّ المعايير البيئية وبمفاعيل بيئيّة مُرتكزة على اسس علميّة تستفيد من كل مورد لمواد اولية والتي تشمل عمليات “فرز ثانوي صحيح مُتقدّم” مع ضرورة اللجوء على مستوى السلطات المحليّة اللامركزية الى تنفيذ تدريجيّ لإجراءات “فرز مُكمّل” (عند المُستوعبات مثلاً) تعويضاً عن النواقص في نتائج الفرز من المصدر ضمن الفترات المُتتالية لتطبيقه…
يرتكز استخراج عمل سليم على وضع معايير ومواصفات ومبادئ تضبط الاطر العامة والخاصة ضمن سياق واضح وشفاف مع إلزام الجميع بإحترامها، وهو ما ينطبق تماما على ملف معالجة النفايات ليشمل بالتنسيق مع المؤسسة اللبنانية للمقاييس “ليبنور”:
- التقنيّات بما فيها كافة العناصر المُتداخلة ومنها الإستشاريّين والمُشغّلين والمتعهدين والمراقبين…
- جدولة النفايات بحسب أنواعها ضمن كل مرحلة من مراحل إدارة هذا الملف.
التخلي عن قناعة وليس عن ترف مبطن، عن المركزية القاتلة وغير المُلائمة نهائيّاً والمليئة بالفساد…
تُشكّل الإستعانة من جديد (وبشكل مُطلق) بكل من فشل سابقاً (وخاصة في الأونة الأخيرة) بمُعالجة أي ملف، ضرب من الجنون – او أقله عدم دراية بإدارة شؤون الدولة؛ هذه قرينة واضحة لنيّة مُبطّنة تمهيدا لمحاولة إفشال جديدة لما يتمّ إقراره، يؤدّيها اصحاب الخبرة في هذا المجال. وبالتحديد فيما خصّ ملف النفايات حيث يلعب هذا الدور مجلس الإنماء والإعمار- مؤسسة برهنت عبر إدائها حتى اليوم عن ضعف وسوء ادارة يوصف اقله بالإهمال – ولجنة البيئة الوزاريّة (بقسم من أعضائها).
يضاف الى ذلك الدور “غير البنّاء” الذي يلعبه ممثّلين الأمم المتحدة للتنمية ضمن لجنة شهيّب دعماً للمطامر شبه الشاملة في الفترة الإنتقاليّة، علماً انّ هذه المشاركة أدّت منذ بضعة سنين عن طريق ممثليها وبطلب من بعض أركان الحكم الى “التسويق” للمحارق في لبنان واليوم يُسوّق للمطامر، مع انّها تقنيّات رفضها ويرفضها بشكل قاطع المجتمع اللبناني بغالبيته…!؟
فحذاري لبعض المسؤولين الذين لم يعوا بعد للمفاعيل المُحتملة نتيجة لمضمون رسائل الرفض هذه، والتي قسم منها يتعلّق تحديداً بشركة “سوكلين” وأخواتها !
الاقرار بان بيروت قادرة على معالجة نفاياتها ضمن نطاقها البلدي وليست بحاجة الى احد، في حين يسعى البعض الى دمجها مع جبل لبنان بغية خلق حالة مُعقّدة ومخيفة للحؤول دون بلوغ اللامركزية بكل حيثياتها.
الإقرار بأنّ الضاحية الجنوبيّة من بيروت بجميع بلدياتها (بالرغم من انّها ضمن جبل لبنان) هي قادرة أيضاً على معالجة نفاياتها حصريّاً ضمن النطاق الخدماتي الخاص بها…
لم يخطر على بال واحد، من أعضاء الحكومة او أعضاء لجنة النفايات، ان مركزة البنى التحتية تشكل طعما دسما لاعداء لبنان اذ لا تكلفهم ضربة موجعة للبنان اكثر من الذهاب الى موقع واحد يكفي لكي يدمر فيه ما بني خلال سنين فضلا عن الاضرار التي تنجم عن ذلك والاثر البيئي السيء وحتّى الكارثي، ولا سيما على صعيد الصدمة التي ستواكب هكذا عمل في التفتيش عن حل جديد، وآخر وتالي؟؟!!
وفي هذا الإطار، أيُعقل انّه في البحث الذي تقوم به اللجنة عن مواقع للطمر (خاصة في السلسلة الشرقيّة – في مناطق قريبة جدّاً من اماكن قتال الحرب السوريّة) لا يؤخذ بعين الإعتبار الخطر الإضافي المُحتمل لوقوع إنفجار الغازات (الميتان…) التي ستتجمع في باطن الأرض ضمن الخلايا المتعدّدة في المطمر ؟ علماً انّ ذلك يمكن ان يحصل بسبب فقط رشق ناري واحد او قنبلة مُتفجرة يتيمة، مع ما سينتج من أضرار جسيمة من جراء ذلك…!!!؟؟؟
وبالعموم لا بد من الاشارة الى ان التفكير اللامركزي يخدم في استراتيجية الدفاع لو عرف البعض ما يعملون.
لم تحسب الحكومة يوماً ومعها اللجنة المُختصّة إحتمال عدم قدرتها على تنفيذ طبيعيّ لخطوة او إجراء واحد من قراراتها، فقد أخطأت بجمع ضمن سلّة واحدة كافة مكوّنات ومراحل “شبه الخطّة” التي وضعتها وخصوصاً بعدم إعتماد إحترازيّاً أيّ خطّة بديلة في حال لم تفلح بتطبيق كامل خطّتها القائمة على المطامر التي تُشكّل تقنيّة مرفوضة أصلاً في لبنان (تكراراً لنفس الخطأ الذي إرتكبه سابقاً وزير البيئة الحالي)… لأنه يجب ان يتمّ فصل القسم المُتعلّق بالتخلّص من النفايات المتراكمة منذ أكثر من ثلاثة أشهر عن الخطة المستدامة ومرحلتها التمهيديّة التي تُسمّى بالإنتقاليّة، علماً انّ موافقة مُجمل أهالي منطقة الناعمة والجوار على ذلك يُساعد حتماً على القيام سريعاً بإرسالها الى هناك، والتوقف عن إستعمالها كورقة ضغط غير مفيدة لأحد…!
لإعطاء الأمل بإعادة ترميم الثقة بين المواطن والإدارة الرسميّة ولكي تستقيم الأمور تخطيطيّاً ويزول قسم من الضبابيّة عن قرار مجلس الوزراء الأخير رقم 1 – 79 تاريخ 9/9/2015، يجب ان تقو م الحكومة منذ اليوم بإلغاء كامل قرارها الوزاري رقم 1 تاريخ 12/1/2015 مع جميع القرارات المتعلّقة به وبخطّتها السابقة (بما فيه جميع النتائج المُلحقة بها كالتي لها علاقة بعقد “رامبول” مثلاً)…
أخيراً وليس أخراً، هل هكذا تباع الاوطان وتُستباح السيادة ؟ هل يُعقل ان تعترف الحكومة بإحتقار الفكر اللبناني المُبدع لكي تستنجد بضمانات حسن تنفيذ أجنبيّة بـ:
- الركون الى صدقية الامم المتحدة في مراقبة التنفيذ علما ان الامم المتحدة ليس لها اي حق قانوني في التدخل بهكذا امور.
- تندرج هذه اللفتة غير القانونية، في تأكيد جازم وحازم واقرار بالفشل وعدم جدارة الفريق اللبناني المعتمد، فيجب إعفاءه.
- مهما كان فان الذي لا يعرف ان المراقبة ترتكز على معايير للمقارنة يبقى على شاطئ المعرفة الحقيقية للامور.
وفي الختام، رسالة وبكل إحترام لرئيس مجلس الوزراء ولرئيس لجنة النفايات: “الطبيعة والجيولوجيا عامة والموارد الطبيعيّة خاصّة والأمن القومي والمجتمع والإنسان يمنع على الجميع المسّ بسلسلة الجبال الشرقيّة لتشييد مطمر او سدّ او ما شابه من المنشاءات، كما في القسم الأكبر من منطقة “سرار” ذات “الطبقات الصخريّة البركانيّة (البازالة) التي (على عكس ما يُعلنه البعض) تحمل في داخلها تشقّقات كثيرة واضحة للعيان تتسرّب من خلالها مياه الأمطار والسوائل…”، فبدلاً من محاولة الإستبدال غير المنطقيّة للمكبّات العشوائيّة بمطامر التي بكل تأكيد لن تكون صحيّة نهائيّاً خاصة بوجود في باطنها هذا الخلط المخيف من بقايا النفايات المختلفة (والبرهان على ذلك: مطمر الناعمة – عين درافيل ومركز التخزين الحالي في سرار ذاتها حيث لم يُحترم حتّى المعايير والمواصفات التي أقرّها مؤخراً مجلس الوزراء…!)، على الحكومة سريعاً وضع خطّة طارئة لتجهيز جميع هذه المناطق بمراكز مؤقتة للفرز الثانوي والمُعالجة البيئيّة ولتأمين التمويل اللازم لإعادة تأهيل كل هذه المكبات التي تُشكّل بؤر تلوّث مُمتدّة على كامل مساحات هذه المناطق…”