سجون وساحات – جو هياف فخري: مراكز المخابرات تعرفني

كان مع شباب بشري يضيء الشموع على “السطوح” ويضرم النار على قمم الجبال المحيطة بها كي يثبت للعالم أن نار قضية سمير جعجع لا ولن تنطفئ، وأن كثراً مثله نذروا حياتهم إسوة بأجدادهم شعلة ممتدة من يوحنا مارون الى النسّاك في وادي القديسين وادي قنوبين… الى مارد الزنزانة في وزارة الدفاع في اليرزة.

تحت عباءة الرياضة ونادي قنوبين الرياضي إحتمى ليقود مع الشباب “البشراني” مقاومة سلمية أمضى من الرصاص وأقوى من المدافع حتى تحرير “الحكيم”.

جو هياف فخري يتذكر ويروي ما طاف على سطح بئر الذكريات العميقة طيلة 30 عاماً من المقاومة بينها 11 عاماً من النضال السلمي.

يوم دخل الدكتور سمير جعجع الى المعتقل كانت المحنة الثانية التي تمرّ على جو فخري، قبلها وتحديداً في العام 1983 كان معه في الجبل يوم طلبت قيادة “القوات اللبنانية” من قائد جبهة الشمال أن يجمع شبابه وينطلق الى الجبل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه فوق من القرى المسيحية التي تتعرض لخطر التهجير والقتل. على جبهة بحمدون وتحديداً على تلة عين الجديدة تمركز جو مع رفاقه من ثكنة القطارة وكانوا ممسكين بالوضع عسكرياً. يؤكد جو ويشرح “كانت القوات الإسرائيلية المحتلة لم تخرج بعد من الجبل، وكان هناك تعاطف واضح منهم مع “الاشتراكيين”. ومع تقدمنا على الجبهة أطلقوا النار علينا لنتراجع عن الموقع الاستراتيجي الذي تحصّنا فيه، فأصبت بنيران الدبابات الاسرائيلية برصاصة 12.7 ملم إصابة بالغة في وجهي”.

وكيف تم نقلك من فوق وانتم محاصرون؟

ستعجبين اذا أخبرتك أن الشيخ بيار الضاهر هو من نقلني بسيارته الى المستشفى. كان ضابط ارتباط، أمّن إتصالاً مع القوات الإسرائيلية فوق ونزل وسحبني عن الجبهة وأقلني الى المستشفى بسيارته العسكرية. كانت إصابتي دقيقة جداً وأنقذني يومها الدكتور نبيل حكيم وأجرى لي العمليات اللازمة ليعود لي وجه وحياة.

بالعودة الى المحنة الثانية واعتقال الدكتور جعجع، أين كنت، وما هي الأمانة الذي سلمّك أياها قبل 21 نيسان 1994؟

قبل الاعتقال طلب مني الدكتور جعجع كناشط في نادي قنوبين أن أهتم وأنسّق مع القيمين في بشري لإنهاء بناء القاعة الرياضية الخاصة بالنادي. وإنتهت الأعمال فيها بعد شهرين من توقيفه. بعدها تسلمت رئاسة النادي، وبدأت أزعج الكثيرين عندما انطلق فريق كرة السلة التابع للنادي وراح يحقق انتصارات على مستوى الدرجة الثانية بين النوادي اللبنانية. كنا كلما نزلنا الى ملعب مع جمهورنا نجد أن القوى الأمنية قد طوقت المكان وبدأت تحاول قمع الشباب وتوقيف بعضهم أحياناً. حتى أنهم أوقفوني، في إحدى المرات وقال لي مسؤول المخابرات في الشمال بعد أن شتمني إنه لا يريد أن يسمع بعد اليوم بنادي قنوبين وإن ورقة سمير جعجع انتهت. ثم هددّني وطلب مني أن ألغي النادي فخرجت وطلبت من مجموعة من الشباب الذين يمثلون المجتمع المدني في بشري أن يرتبوا لي لقاء مع محافظ الشمال آنذاك الذي أكد لنا “ما من أحد يمكن ان يمنعكم عن ممارسة الرياضة”. فعدنا وانطلقنا بقوة أكبر لأننا كنا نعتبر أننا نوصل صوت سمير جعجع من خلال تلك اللعبة أيضاً.

الى أن جاء رحمه الله البريزيدان أنطوان شويري الذي كان يدعم اللعبة في لبنان، فموّل فريق نادي قنوبين أيضاً بموقف بطولي. ما دفعنا الى تنظيم حفل تكريم له في بشري، وعلى أثر التكريم إستدعوه الى وزارة الدفاع وقالوا له بالحرف الواحد، “انت عم تدعم نادي قنوبين و”القوات”؟ عم ترجع تعيّشن”؟ وهدّدوه يومها أنهم سيلصقون به تهمة جاهزة، كما فعلوا بالدكتور سمير جعجع. كانوا حاضرين لنسج أي تهمة والصاقها به. لكن أنطوان شويري لم يتراجع عن دعمه ولو أنه بدا وكأنه “فرمل” عملية تمويلنا قليلاً.

من معارك الرياضة دخلت الى معركة الانتخابات البلدية كيف أكملت في ازعاج سلطة الوصاية؟

لشدة إزعاجنا وصل بهم الأمر مرة الى مداهمة الكنيسة حيث كنا نقيم قداساً على نية الدكتور جعجع في ذكرى إعتقاله، حيث أوقفوني وإقتادوني الى مركز القبة في طرابلس. وكانت قمة الازعاج وصولي الى المجلس البلدي وفوزي بعضوية البلدية، أنا القادم من خلفية عسكرية. لم يرق لهم الموضوع أبداً، فاستدعوني مجدداً الى التحقيق في فرع مخابرات الجيش، لكني تمنعت في تلك المرة وقلت لهم “أنا مُنتخب من قبل ستة آلاف شخص وما رح إنزل الا ما يجتمع المجلس البلدي ويطلب مني إنزل”. كانوا إتصلوا بالطبع برئيس البلدية وأعضاء المجلس البلدي وطلبوا منهم تسليمي فخيّرني الجميع إما أن أسلّم نفسي وإما أن أواجه فقلت لهم “ما رح فرط لا بكرامة بشري ولا بكرامة سمير جعجع وما رح إنزل”. وفيما كنت عائداً الى بيتي طوقتني خمس سيارات وصوَّب العناصر فيها رشاشاتهم الى رأسي وساقوني بالقوة الى التحقيق. هناك وتحت الضرب صرخ بي المحقق “سمير جعجع وجِبناه مينك إنت يا…”. كانوا يخافون منا حتى ونحن مكبلين ومرميين في الشاحنات او في أقبية مراكزهم…

من حظكم أن السوري لم يكن يتدخل بشكل مباشر؟

صدقيني أننا كنا لا نخاف من السوريين. حتى أنهم كلما أوقفوا شاباً من شبابنا كنا نقيم لهم حواجز طيارة نوقف موكبهم ونسترد الشاب وننزل الى بشري. صحيح أنهم كانوا قوة محتلة لكننا كنا فارضين حالنا عليهم.

يستحضر هذا الحديث ذكرى المختار منصور معوّض، يقول جو “كان مختار بشري ورجّال قبضاي. ومتل ضابط إرتباط مع السوري المحتل. كانت روحه “القوات” وسمير جعجع. مرة “راح ليجيبني” من مركز السوريين بعد مشكل بين بيت طوق في عيون أرغش وبيت أمهز وحصلت معركة بين المنطقتين وراح لهم قتلى يومها. فصرنا نخدم مداورة كل عشرة أيام مجموعة من أبناء بشري تحرس المنطقة الجردية. مرة، كنت عائداً من فوق وأحاول ان أوقف سيارة تتجه الى بشري، “فطبّت” علي دورية من الجيش السوري وأمسكت بي. عندما وصلنا الى الأرز وفي طريقنا الى مركز قيادتهم في الحدث كان لا بد أن يمروا في بشري، في تلك الأثناء كانوا الشباب عملولن كمين، ولما وصلنا اوقفوا السيارة وطوقوا الضابط الذي كان يجلس في الأمام والعسكريين الذين يحيطان بي في الخلف بالرشاشات. إرتعب السائق اللبناني ونزل من السيارة صارخاً “يا شباب أنا لبناني من زحلة ما دخلنيش”، فراح السوريون في السيارة يستنجدون بي وقال لي الضابط بالحرف “يا جو لا تتركنا”. عندما سمّاني باسمي وبلهجة مستغيثة قفزت خلف المقود وإنطلقت بالسيارة الى مركز القيادة السورية في “الحريم”. عندما وصلنا استقبلنا ضابط أعلى رتبة وبدأ يستنطق الدورية، فلم يتمكن واحد منهم من تركيب جملة مفيدة لكثرة الخوف والإرتباك، فتوجه الضابط نحوي بالسؤال مستفهماً، حينها أخبرته بما حصل فقال لي “يبارك بأصلك أنت رجّال” ورد لي مسدسي بكل إحترام. في تلك اللحظة وصل المختار منصور معوّض وقال لهم “هيدا أرجل زلمي ببشري كيف بتاخدو”؟

شباب بشري “جنّوا” من تصرفي المفاجئ “شو عمل جو يا عمي” كلهم راحوا يتساءلون. وعندما وصل والدي سألهم “وينو الصبي”؟ قالوا “نحنا حرّرناه بس هوي راح معن”!!

من أصعب اللحظات التي عشناها أيضاً يوم وصلنا خبر من ستريدا أنها قد تتعرض للتوقيف والسجن. كان يوماً عصيباً، سمير جعجع في الحبس و”مرتو كمان”؟ وكل المعطيات كانت تشير الى أن هناك قراراً بإدخالها الى الحبس الى أن تدخّل غبطة البطريرك صفير وأوقف الموضوع.

فكرنا في تلك اللحظة أن الأمور ما عادت تُحتمل وإجتمعنا وقرّرنا أن نبدأ مواجهة سلمية كما كان حريصاً الدكتور جعجع ان تكون مواجهتنا دائماً، إضافة الى خوفنا على حياته وهو في قبضتهم.

وكنا ندرك أنهم يسعون لاستدراجنا الى مواجهة مسلّحة لادانتنا والقضاء علينا. فوجدنا ان المواجهة السلمية والديمقراطية مؤذية أكثر من الرصاص. لذا أنا أقول أن قرار الدكتور جعجع بالمقاومة السلمية من المعتقل كان أمضى من المقاومة المسلحة، وبات هذا الخيار ثقافة لنا تكمل اليوم مع فريق 14 آذار وقد أثبتت بعد إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أنها القرار الصائب لحظة خروج آخر جندي للجيش السوري من لبنان.

نحن قاومنا من خلال الرياضة. ومن خلال لجنة جبران التي ربحنا الإنتخابات فيها قبل الإنتخابات البلدية بعام تقريباً وبشكل كاسح على رغم الاحتلال السوري، ووصل يومها فؤاد الضاهر كيروز رئيساً للجنة.

ما كان بامكانهم ان يشكلوا ملفاً أمنياً ضدنا لإبقائنا قيد التوقيف والسجن. بماذا كان يمكن ان يتهموننا، أننا ندرب الأولاد على لعبة كرة السلّة مثلًا؟ جنّ جنونهم من مقاومتنا السلمية وصمود الدكتور جعجع وصلابة زوجته ستريدا، كلها مواقف كانت تعزّز فينا الإيمان بأن قضيتنا قضية حق.

يوم خروج الدكتور جعجع كان عرساً في بشري، فإعتقاله ظلمًا وبهتاناً كان حرمنا النوم والطمأنينة ومع خروجه أحسسنا أن الوقت قد حان لنرتاح. إرتاحت بشري أخيراً”.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل