
“الكاتبة علوية”، عبارة صغيرة اكتفى بها أحد المعلّقين على مقال سابق لي. كاتب التعليق لم يذكر اسمه كحال معظم المعلّقين. اختار كلمة “سوري” كاسم مستعار.
استوقفني تعليقه طويلاً. ربما لأنه لم يجد أي ضرورة لشرح إضافي. الفكرة مكثّفة إلى هذا الحدّ. كلمتان في عبارة صغيرة تحمل تاريخاً من الهويات والذاكرة والانتماء. وهو اختار لفكرته تلك إسماً وطنياً جامعاً: “سوري”. والمعلومة التي ذكرها ضمن تعليقات كثيرة، ليست عبثاً ولا مجرّد ثرثرة عابرة. إنها جملة واضحة، كاملة، لا تجتزئ حقيقة دون أخرى، لا يمكن للمرء أن يشكّك بها أو صدقيتها. جملة حاضرة لا تفتقر إلى سلطة الكلمات ولا إلى سلطة الذاكرة الجمعية المطلقة.
رحت أفكّر لماذا استوقفتني العبارة هذه تحديداً؟ هل لأنها تحمل حكماً مسبقاً؟ كلا. لا تنتمي المعلومة إلى الأحكام المسبقة. ربما لأنها مختصرة إلى هذا الحد. لأنها باختصارها ذاك، تختصرني، تكوّمني على نفسي، كالورقة يمسك بي المعلّق، يجعلني، أتقلص بكل ما أحمل من ذاكرة ومواقف ومشاعر وعقل، أصبح كرة صغيرة، يرميها على الطاولة ويؤشر بإصبعه: “علوية”.
رحت أفكر أيضاً متى يصبح المرء “علوياً” أو “سنّياً” أو “درزياً” أو “مسيحياً” أو “كردياً”. ألم تولد البشرية كلها بانتماءات ضيّقة فرضت عليها في دفاتر العائلات وفي الهويات ووثائق السفر ومراكز القيود والنفوس؟ لكن ماذا يعني أن يكون المرء “علوياً” على وجه الخصوص، في هذه المرحلة تحديداً؟
قبل أسابيع، كنت في جلسة مع أصدقاء في بيروت. معنا، تجلس صبية في بداية العشرينات، “اسماعيلية” معارضة جاءت حديثاً من منطقة السلمية. سألها أحد الحاضرين ممازحاً: “ألا تخافين في بيروت؟ ألا يمكن لأهلك أن ينتقموا منك في هذا البلد المحكوم من “حزب الله”؟ وذنبك أعظم لأنك اسماعيلية ومعارضة!”. شهقت الصبية بشكل مستفزّ وصرخت: “لا، أنا لست اسماعيلية”. وساد صمت أحسست به طويلاً بطول الشهقة وما تحمله من قهر. نعم، إنه القهر بعينه. أن ترفض الصبية فكرة أنها “اسماعيلية”! وكأنها بانتمائها إلى طائفة بعينها، تحمل وزر كل اقترفته تلك الطائفة، كل ماضيها، كل أمزجة المنتمين إليها وكل خرافاتهم وما عاشوه وما صنعوه. كأنها تحمل بالضرورة الهواء الذي يتنفسوه في صدرها فتحاول كتمانه أو لفظه عبر نفي حقيقة انتماء لم تختره هي. ثم استمرّت لحظة الصمت تلك ولم تجد الصبية داعٍ لأي إضافة.
“صار عمري ٦٥ عاماً. للمرة الأولى في حياتي كلّها أعي أنني سنّية”. جملة حزينة، لا تخلو من القهر أيضاً، قالتها لي أمي في يوم من الأيام بداية الثورة. هل لم تشعر بأنها “سنّية” لأن الثورة قامت ضدّ “نظام علوي”، بل لأن أصدقاءها من أقارب والدي، من إخوة وأخوات وأولاد عم وخالة وخال، قاطعوها لأنهم فجأة أدركوا أنها “سنّية”! ما سرّ هذه الثورة التي فتحت أعينهم فجأة على اتّساعها؟ بدأت الثورة، هي مع الثورة لأسباب عقلانية وأخلاقية. هم ضدّها لأسباب طائفية بحتة. لأول مرة، يكتشفون أنها تنتمي لطائفة أخرى. هل كانوا مدركين في اللاوعي ذلك الاختلاف؟ هل كان ذلك الاختلاف مرهقاً بالنسبة إليهم طوال أربعين عاماً ثم أعلنا عنه وتخفّفوا من حمله مع بداية ثورة لم تقم أصلاً لأسباب طائفية؟ وعيهم بأنها “سنّية”، يشبه إلى حدّ بعيد وعي كاتب التعليق بأنني “علوية”.
استطراداً، شخصية معارضة “شهيرة”، وصفتني في جلسة مغلقة ذات يوم بانني “سنية أكثر من السنة”.
أمي “داعشية” وأنا “شبيحة”. ومازلنا قادرتين على العيش واحدتنا مع الأخرى. إلا أن آخرين غير قادرين على استيعابنا. وتلك الصبية “الاسماعيلية” ربما هي من “قوات الدفاع الوطني”. زوجي “جبهة النصرة”، فقط لأنه من إدلب”. أصدقائي في بيروت منقسمين بين “حزب الله” و”النصرة”. وتقولون إننا غير قادرين على العيش في “سورية واحدة”!.