#adsense

1500 شريط صوتي جديد لأسامة بن لادن

حجم الخط

في المدرسة الثانوية خلال فترة الثمانينات، قرر فلاغ ميلر، أستاذ الدراسات الإسلامية الحالي في جامعة كاليفورنيا ومؤلف لكتاب جديد حول أسامة بن لادن، أن يقضي عاًما كاملاً في برنامج التبادل الطلابي قبل الالتحاق بالجامعة.

واحتار بين آسيا أو أفريقيا حينها، ثم انتهى به المقام في تونس، حيث كان يحضر في مدرسة إسلامية، التي كانت فيما سبق مدرسة للبنات، والتي افتتحت مؤخًرا فقط للصبيان. وقضى ذلك الوقت برفقة عائلة مسلمة ناطقة باللغة العربية. كان أمًرا عسيًرا على فتى أشقر من ولاية كانساس، ولكنها كانت تجربة تحويلية مفعمة بالخبرات بالنسبة إليه. فلقد وقع في عشق الشرق الأوسط ­ وشعبها الرائع، وثقافتها ولغتها الجميلة ­ ولسوف يعود مرات تلو المرات كطالب وكأستاذ جامعي إلى تلك المنطقة. وفي إحدى رحلاته، قضى عدة شهور أعلى ظهر الجمال، وهي تجربة غريبة كان قد تحدث عنها في مكتبه بالكلية. وعلى الرغم من تخصصه في اللغة الإنجليزية، فإن دراسات ميلر العليا دفعت به لأن يكون أستاًذا في اللغويات الإنسانية، مكتسًبا قدر كبيرا من العلوم والخبرة في اللغة العربية مما لا يضاهيه فيها إلا القليل من أساتذة العالم الغربي.

1500 شريط صوتي جديد لابن لادن بالرجوع إلى عام 2003، استقبل الزملاء في مشروع الإعلام الأفغاني في كلية ويليامز في ولاية ماساتشوستس طرًدا يحوي 1500 شريط كاسيت من التيُعثر عليها في منزل أسامة بن لادن في مدينة قندهار الأفغانية عقب الغزو الأميركي لأفغانستان في عام 2001.

وكان مكتب التحقيقات الفيدرالية قد قرر أن تلك التسجيلات هي شرائط من الشعر والغناء والمحادثات الحالية بين بن لادن ورفاقه وليس لها أية صلة بالأمن القومي الأميركي. عندما يكون لديك 3 آلاف ساعة صوتية من تلك الشرائط، تضم الكثير من مختلف الأصوات ممن يتحدثون باللغة العربية، فلا يمكنك طلب المساعدة إلا من المتخصص في اللغة العربية في جامعة كاليفورنيا فرغ ديفيز. ومن ثم طار السيد ميلر إليهم لاستلام الشرائط.

ويتذكر السيد ميلر مع ابتسامة وإشارة من عينيه حيث قال: «كذا، أعتقد أن هذين الصندوقين المتربين يضمان الشرائط. كانت مهمة رهيبة، لم أتمكن من النوم لثلاثة أيام كاملة».

الزاهد الجريء

استمع السيد ميلر إلى كومة مختلطة من الشرائط لعدة ساعات، ولأيام، ثم لسنوات. كان مرتدًيا لسماعات الرأس، وكان يكتب النص المسموع مباشرة من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية على الحاسوب المحمول خاصته. كانت الشرائط التي تحمل عناوين وغيرها مما لا يحمل شيًئا البتة تعد الأساس الذي قام عليه الكتاب المنشور، أول من أمس، بعنوان: «الزاهد الجريء».

يقول السيد ميلر: «حينما شرعت في الاستماع، أرهفت مسامعي محاولاً استخلاص صوت بن لادن». كان هناك أكثر من مائتي صوت مختلف في آن واحد، وأغلبها لم يكن لبن لادن. وأضاف قائلاً: «بعد فترة من الوقت، بدأت في التعرف على صوته وبسرعة».

بدأ في تحديد صوت بن لادن، ولقد استمع إليه أكثر من الوقت الذي كان متاًحا لوالده نفسه ليستمع إليه. (يقول ميلر إن أبحاثه تشير إلى أن بن لادن تقابل مع والده خمس مرات فقط، بينما مجموعه ساعة واحدة فحسب).

أما بن لادن الشاب، وهو الرجل الثري لعائلة كبيرة تضم أكثر من 50 شقيًقا، كان من المقرر له أن يكون الرئيس التنفيذي لمجموعة الشركات العملاقة. ولقد بدا طموحه أنه يبغي المزيد والمزيد في حياته، ولقد كان لاعبا رئيسيا ما بين الكثير من المتشددين الأصوليين. ثم تحول إلى بؤرة الاهتمام العالمية عن طريق تسويق الذات، كما يقول ميلر.

خلال السنوات الأولى، كان بن لادن شديد الاهتمام ليس فقط بالعداء الغربي مع الولايات المتحدة الأميركية، ولكن مع المرتدين من المسلمين كذلك الذين لم يلتزموا بالتفسيرات الحرفية لتعاليم الإسلام، وبعبارة أخرى، المسلمون غير الحقيقيين من وجهة نظره.

يقول ميلر عن ذلك: «كان أهم ما يشغل الناس هناك هي الأراضي التي يضمها العالم الإسلامي، وليس الاستيلاء على أراضي الغرب».

بدأ المتحدثون في الشرائط في منتصف التسعينات معرفة ما يسمى بالقاعدة، وهي الكلمة التي تحمل مختلف الدلالات في اللغة العربية من حيث إنها «قاعدة» ينطلقون منها، أو «قاعدة» يتبعونها أو يطبقونها في حياتهم.

ويقول ميلر إن لفظة «القاعدة» حينئذ، من خلال محادثاتهم، لم تكن تحمل دلالة التنظيم الإرهابي المسلح مما ينتسب الناس إليه الآن على أي حال.

معسكر التدريب

والقاعدة، في واقع الأمر، كانت معسكًرا للتدريب تأسس في أفغانستان في أواخر الثمانينات لدعم حركات التمرد داخل العالم الإسلامي، بدلاً من العالم الغربي، ولم يكن لذلك المعسكر من اتصال كبير أو مباشر بابن لادن أو بآيديولوجيته، كما يزعم ميلر. ولكنه في واقع الأمر كان أمًرا من الأمور التي لم تلق اهتماًما كبيًرا لبن لادن في بادئ الأمر.

ولذا يتساءل ميلر قائلاً: «كيف تمكن من سرقة الأضواء ووضع ذاته في مركز الأحداث؟». يتابع ميلر قائلاً إن لم يتمكن من تهيئة الظروف لقيام ثورة، ولذلك كان عليه إثارة العداء مع الولايات المتحدة أو استثارة ذلك النوع من التدخلات الخارجية التي حدثت في العراق عقب هجمات أيلول.

وضمن الشرائط أيًضا نسمع صوت ابن لادن، يشكو شراء أخيه من 5 آلاف حالة صلصة تاباسكو. ويتضمن الأرشيف الصوتي أيًضا الموسيقى من يهودي جزائري يدعى إنريكو ماسياس. ويقول ميلر داخل الشرائط الصوتية هناك الكثير من التفاصيل الغريبة عن القاعدة.

ولم تحتِو الأشرطة على تمهيد أو دلائل خفية لعملية 11 سبتمبر. ولكن يقول ميلر إن «المسؤولين لدى الاستخبارات الغربية، استخلصوا أن بن لادن هو وراءها، كونه العقل المدبر لتنظيم القاعدة». ويستطرد: «وعندها تشابكت المعلومات استغل بن لادن ذلك».

وعلى الرغم من مقتل بن لادن والكثير من رجاله، وعلى الرغم من التحولات التاريخية التي شهدتها المنطقة،يظل بن لادن والقاعدة اللاعبين الأساسيين في النشاطات الإرهابية، الأمر الذي لا يفاجئ ميلر.

ويعقب على ذلك بقوله: «عندماُسئلت قبل نحو سبع سنوات، ما إذا كان تنظيم القاعدة يلفظ أنفاسه الأخيرة، جاء ردي في معظم الأحيان أن التنظيم سيظل على قيد الحياة طالما استطاع احتلال أخبار الصفحات الأولى». ويستطرد: «وسيستمر المعادون لأميركا بتوظيف خطابهم تحت مظلة آيديولوجية القاعدة لكسب مناشدين لهم».

ويضيف ميلر: «الحقيقة هي أن الكثير من أعضاء تنظيم القاعدة قد جاءوا إلى الحياة العسكرية من أنماط الحياة المختلفة التي كانت عكس ذلك تماًما»، وضمن الشرائط تسمع صوت مغٍن فرنسي، وشرائط أخرى تحتوي على جزء من معلقات عمرو بن كلثوم، وأيًضا أدعية قرآنية، إنها خليط يعكس حياة تنظيم القاعدة ليس كآيديولوجية متماسكة.

ويأتي الكشف الجديد مماثلاً إلى حد كبير مع «الهارد ديسك» لأيمن الظواهري الذي اشتراه أحد صحافيي «الوول ستريت جورنال» عقب هجمات سبتمبر من صاحب أحد منازل العاصمة كابل حيث كان يقيم نائب بن لادن قبل هجمات سبتمبر. ونشرت «الشرق الأوسط» في حينه، بعض تلك الرسائل الخاصة من كومبيوتر الظواهري، بعد فك شفرتها بالتعاون مع أصوليين من لندن.

وكشفت مجموعة من الوثائق السرية المتبادلة بين أيمن الظواهري زعيم تنظيم الجهاد المصري الحليف الأول لأسامة بن لادن زعيم تنظيم «القاعدة»، ورجاله في اليمن وبعض الدول العربية وأوروبا، عن التحولات الفكرية في ذهن الظواهري، التي أدت في نهاية الأمر إلى توقيعه على بيان الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين مع بن لادن في شباط 1998، ومعظم الوثائق السرية هي من أصوليين محسوبين على جماعة «الجهاد» المصرية، أو من كومبيوتر الظواهري نفسه الذي عثر عليه في أحد منازل العاصمة كابل في أعقاب الغارات الأميركية على أفغانستان في تشرين الأول 2001، وجرت معظم المراسلات قبل أو بعد تفجير سفارتي الولايات المتحدة في 7 آب 1998، حيث سقط أكثر من مائتي قتيل وأربعة آلاف جريح.

ويبدو من المراسلات السرية المتبادلة بين الظواهري الذي كان يتنقل بين كابل وقندهار ورجاله في الخارج إشارات واضحة وصريحة إلى «الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين»، و«جيش تحرير المقدسات الإسلامية»، وأخرى «مشفرة» عن «القاعدة» التي جاء ذكرها تحت «شركة المقاولات» وكذلك «المقاول» ويقصد به «بن لادن» الذي تغير كثيًرا، على الرغم من أنه لم يِف بكثير من الوعود التي قطعها على نفسه لقادة جماعة «الجهاد» المصرية؛ مما أدى إلى حدوث الكثير من المشكلات الإدارية في «الشركة» أو «الإمارة» ويقصد بها لاحًقا القاعدة في أفغانستان.

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل