مرّ شهر تقريباً على العمليّة العسكريّة التي يخوضها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوريّا، ولم تتضح معالمها بعد، ولا نتائجها الفعليّة.
ويكاد يقلّد أنداده السابقين من التحالف الغربي الذي قادته واشنطن في محاربة “داعش”، في شكل عمليّاته الجويّة وجوهرها، لجهة إصدار البيانات العسكريّة وتعداد الغارات والمواقع التي استهدفتها طائراته وأعداد القتلى المفترضين، متميّزاً عنهم باستهداف كلّ من هو ضدّ نظام الأسد، وتحديداً المجموعات المعتدلة.
ولا يختلف الأمر عنهم في حصر الأهداف المعلنة بمحاربة المتطرّفين ومنع تمدّدهم، ووقف خطرهم على العالم والتمهيد لحلّ أزمات المنطقة خصوصاً في سوريّا والعراق.
لكنّ هناك فارقاً أساسيّاً بين “التحالف الغربي” و”التحالف الروسي” غير مسألة ضرب قوى الاعتدال: فالولايات المتحدة لم تضع عمليّاتها تحت شعار الدفاع عن النفس، ولا تحت إيحاء ديني أو “تحالف أقليّات” كما فعلت روسيّا. ربّما لأنّ واشنطن متحصّنة وراء البحار في منعزلها الجغرافي والتاريخي بعكس موسكو الموجودة على تماس جيوسياسي مع مسرح العمليّات.
كما أنّ التراث السياسي الأميركي لا يتضمّن خطاباً دينيّاً في الحروب منذ انغماس واشنطن في الحرب العالميّة الثانية، وبعدها في فيتنام والهند الصينيّة وأميركا اللاتينيّة وأوروبا الشرقيّة وأفريقيا وأفغانستان والعراق وسوريّا. حتّى أنّها خاضت أشرس الحروب في العالم الإسلامي بعد عمليّة 11 أيلول ولم تُتّهم بمحاربة المسلمين. وقد شكّلت حربها دفاعاً عن البوسنة المسلمة حصانة إضافيّة لها في هذا المجال.
في حين أنّ موسكو معتادة على إدخال العامل الديني في حروبها منذ عهد القياصرة، وحتّى ضمنيّاً خلال المرحلة السوفياتيّة “العلمانيّة”، بل الملحدة. فالخلفيّة كانت دائماً ممهورة بطابع ديني مكشوف أو مموّه.
ويحاول بوتين بشقّ النفس التبرّؤ من الصبغة الدينيّة التي تلاحقه، حتّى أنّه اضطرّ أخيراً للإعلان أنه يحارب الارهاب وليس السنّة، وليس همّه حماية بشّار الأسد “العلوي”!
هذا يعني أنّ بوتين بدأ ينحو في حربه نحو الدفاع بعدما باشرها بالهجوم. وليست الدبلوماسيّة الساخنة التي يقوم بها سوى دليل على بداية ارتباك حملته وتشتّت أهدافها. ففي يوم واحد اتصل بزعماء الدول الإقليميّة التي تعارض تدخّله العسكري في سوريّا، خصوصاً تركيّا والمملكة العربيّة السعوديّة والأردن، وحتّى مصر، فضلاً عن التنسيق العميق مع إسرائيل.
ولم يكن اجتماع فيينا الرباعي بين موسكو وواشنطن وأنقرة والرياض سوى تأكيد على دقّة الوضع الروسي بعد تجربة الشهر.
ولم يكن استدعاء الأسد إلى الكرملين بهدف تكريمه وتكريسه، بل لتحضيره لمرحلة مقبلة تنتهي بخروجه من السلطة. وليس القول بأنّ “الشعب السوري يقرّر” سوى ضخّ غبار لإخفاء حقيقة الصورة. فكيف لشعب مشرّد في مغارب الأرض ومشارقها، أو مغيّب في السجون والقبور والمستشفيات، أن يقرّر؟
حتّى الآن، لا دلائل على نجاح حملة بوتين في تقديم نفسه منقذاً للوضع السوري وبديلاً حاسماً للتحالف الغربي، وكأنّ ارتباك الغرب في مرحلة الهجوم الأُولى انقلب الآن ثقةً في أنّ الرئيس الروسي مضطرّ إلى طلب المساعدة الغربيّة قبل أن يغرق أكثر في الرمال السوريّة.
ولعلّ أوروبا، نيابةً عن الغرب، بدأت تلاقيه إلى منتصف الطريق لرسم خطوط المرحلة الانتقاليّة التي قد تحافظ على الأسد لفترة متوسّطة على قاعدة حاكم لا يحكم، كما جرى مع علي عبدالله صالح في اليمن لفترة محدودة.
ولا غرابة في أن يبحث الغرب عن مخرج، ليس للأسد فقط، بل لبوتين أيضاً، قبل أن تصبح حرب هذا الأخير لعبة روليت روسيّة، فيها خطر المجازفة إلى حدّ الانتحار بالرصاصة الوحيدة.
فالانتحار هنا ليس لشخص، بل لتركيبة مصالح دوليّة في لعبة الأُمم يدفع ثمنها الجميع وليس روسيّا وحدها.
فقد بدأت عمليّة بوتين بحسابات دقيقة ووعود سريعة بتغيير الأوضاع، وسرعان ما تطوّرت إلى تداخلات صعبة فاشتراكات معقّدة في الأجسام المشاركة وأثمان غير محسوبة، من جنرالات إيران إلى قيادات “حزب الله”، فضلاً عن بدء استيراد الجثث الروسيّة.
ويمكن القول الآن إنّ الحملة الروسيّة باتت تبحث عن تسجيل نقطة فرعيّة هنا، واستعادة النظام قرية هناك، في حالة دوران على الذات وكرّ وفرّ كانت قبل الحملة وستستمرّ بعدها على طريقة إنقاذ ماء الوجه.
ويبدو موقف واشنطن عبر مندوبتها في مجلس الأمن الدولي عن تعقيد الوضع السوري وتفاقمه بعد خطوة بوتين خير وصف للورطة الروسيّة.
حركة دبلوماسيّة ساخنة، ومدّ يد عاجلة من الخصوم، يحتاج إليهما زعيم الكرملين، تفادياً لانقلاب الحرب إلى لعبة روليت خطرة تربط المصير بالحظّ أو الصدفة، وهي أصلاً براءة اختراع لبلاده!