
على رغم فقدانه أطرافه السفلية بفعل مخلّفات الحرب التي زُرِعَت في أرض لبنان يمشي واثق الخطوات، يفتح باب منزله ليستقبل الزوّار ويأبى مغادرتهم من دون مرافقتهم إلى باب السيارة. ينظر إليهم من خلف نظّاراته الشمسية ليخفي ما قد رسمته رصاصات القتل، فيستقبلهم برحابة صدر وعفوية، وفي جلساته يسرد قصص الحرب من دون أن ينسى أي تفصيل. جان صفير، ابن الواحد والسبعين عاماً، لم تستطع ألغام الحرب النيل من قوّته وعزمه وثقته بنفسه وهي لم تقف حاجزاً أمام مسيرة نضاله.
ولد جان صفير في العام 1943 وترعرع في منطقة عين الصفصاف – قضاء المتن. حمله جوّ عائلته “الكتائبي” إلى الانتساب لحزب “الله ـ الوطن ـ العائلة”. يخبر جان: “في العام 1959 وتحديداً بعد ثورة 1958 التي أثّرت فيّ رغبت في الإنضواء إلى حزب “الكتائب” فقادتني حماستي للحصول على بطاقة الانتساب، وفي تاريخ 3 آذار 1960 وافق الحزب على انتسابي إليه. في العام 1963 بدأت أتدرّب في نادي الرياضة التابع للحزب، وهنا قرّرت أن أنتسب إلى الجناح العسكري للحزب فبدأت التدريبات على الحرب بدروس نظرية أوّلاً وكنا نأخذها في بيت “الكتائب”. بعدها انتقلنا إلى التدرّب فعلياً على الأرض خارج بيت “الكتائب” مع بداية تأسيس بطرس خوند لفرقة الكومندوس الأولى، ولم نكن بعد نمتلك الكثير من الأسلحة والعتاد لكننا كنا نستعين بالأسلحة الموجودة في منازلنا”.

كان جان صفير قبل الحرب يعمل بلّاطاً، ينزل يومياً إلى بيروت ويعود مساءً إلى منزله في عين الصفصاف. وفي أحد أيام العام 1969، وبعد انتهائه من عمله في إحدى الورش، اشترى بطاقة البوسطة ليعود إلى الضيعة. وفي انتظار انطلاقها أخذ يقرأ جريدة “لسان الحال” فوقع نظره على خبر احتجاز الشيخين موريس وبشير الجميّل من قبل الفلسطينيين في منطقة راس الدكوانة فقرّر عدم الصعود إلى البوسطة، فردّ البطاقة وتوجّه مسرعاً إلى مركز “الكتائب” في الدكوانة. يشير جان إلى أنه “كان الإحتكاك الأوّل الفعلي بالأسلحة وكانت المرّة الأولى التي تحصل فيها مواجهة حقيقية على الأرض. وقتها قامت فرقة الكومندوس بقيادة بطرس خوند بمعركة مع الفلسطينيين لتحرير المخطوفَين. أذكر أنني لم أخف من حمل السلاح واستعماله، فحماستنا لتحرير الشيخين جعلتنا نخوض المعركة بشراسة وقد كبّدنا الفلسطينيين خسائر فادحة. بعد هذه المعركة أقسمنا اليمين على أن نقدّم حياتنا فداء لوطننا لبنان على رغم اعتراض قيادة الحزب على ذلك الحلفان، ومن هنا كانت لنا الشجاعة والاندفاع والحماسة على القتال وقد بدأت روح المعارك تدخل فينا”.

شارك جان صفير في معارك الجيش ضدّ الفلسطينيين في العام 1973 حيث كان دور حزب “الكتائب” مساندة الجيش في معركته. وبعد اندلاع الحرب عام 1975 شارك في معارك Holiday Inn والدكوانة وسنّ الفيل والكرنتينا وضبية والرويسات والزعيترية وتلّ الزعتر وجسر الباشا. ويؤكّد صفير أن الهدف من القتال كان الحفاظ على الوطن والدفاع عن وجود المسيحيين. “لم يكن هدفنا قتل الناس ولكن الدفاع عن الإنسان في لبنان. لم نكن نقتل الأبرياء بل كنا نقاتل بشرف وأخلاق فنحن مقاتلون قدّيسون”.
يروي جان واقعة إحدى المعارك التي نجا منها بقدرة إلهية: “في كانون الأوّل من العام 1975 وقعت معركة الكرنتينا مع الفلسطينيين، وتمكنا من دخول المنطقة واحتجاز بعض المقاتلين الفلسطينيين في غرفة. خلال فترة احتجازهم استطاع المقاتلون الفلسطينيون الباقون تطويقنا داخل الغرفة، دخلوا علينا وبدأوا رمينا بالرصاص، أطلقوا عليّ 30 رصاصة أصابت غالبيتها وجهي وصدري، واخترقت إحداها صليب الخشب المعلّق على صدري فحماني منها أما الرصاصات الباقية فدخلت السترة والخوذة التي على رأسي فلم تصبني. كانت هذه من أشرس المعارك، استمرّت ستة أيّام ولكن لم يُصَب أي من العناصر التي كانت برفقتي وعُدنا إلى منازلنا سالمين بفعل القدرة الإلهية. بعد هذه المعركة ما عدت أشارك في معارك بيروت فانتقلت إلى المتن لحماية المنطقة بعد أن علمنا بأنّ “القوميين السوريين” كانوا يريدون ضرب مناطق المتن”.

أما عن إصابته فيقول جان: “ليل 29 – 30 أيلول 1976 كنت والشباب في منطقة الرميل، صعدنا في الصباح الباكر إلى منطقة بولونيا بطلب من القيادة لتنظيف منطقة تلال الزعرور من الألغام المزروعة. أخذت معي بعض الشباب وتوجّهنا إلى الزعرور. عند وصولنا إلى هناك كانت الصدمة، فالمنطقة كانت مزروعة عتادًا وأسلحة وألغامًا حتى أن السيارة التي كانت معنا، وهي رباعية الدفع، ما عادت تمشي. ترجّلت من السيارة ورحت أمشي على الطريق لأتمكن من مشاهدة اللغم والابتعاد عنه. كنت أسير بين الألغام من دون أن أتمكن من رؤيتها لأن الموسم كان شتاء والأرض موحلة. طلب مني الشباب الصعود مجدّداً إلى السيارة خوفاً من أن أدوس على أحد الألغام فينفجر. رفضت الصعود وطلبت من سائق السيارة الانتباه إلى الألغام ومحاولة تفاديها. وما إن أنهيت كلماتي حتى طرت من مكاني بسبب انفجار أحد الألغام. تأذيت كثيرا، خسرت عينيّ وفقدت أطرافي السفلية وبقيت سبعة أشهر في المستشفى للعلاج”.
لم تقف الإعاقة الجسدية حاجزاً في وجه جان. فعلى رغم كل ما مرّ به وحصل معه استمرّ في نشاطاته الحزبية والاجتماعية والعائلية وهذا هو إيمانه ونضاله في الحياة. ويقول بنفس المقاوم: “ضحيّت من كل قلبي وهذه هي عقيدتي. لا تكمن قناعاتي في محاربة الأحزاب الأخرى فقط بل في الدفاع عن الوطن وعن كل شيء مقدّس. بعد الإصابة صرت أقوى بكثير مما قبلها، والى اليوم أناضل في هذه الحياة، ولم ولن أستسلم يوماً ولم تنتهِ حياتي بعد. أنا بطل في الإنسانية والأخلاق، البطولة ليست في زمن الحرب. البطل يكون في السلم، والدفاع عن الوطن لا يكون فقط في حمل السلاح إنما في السلم وفي احترام الإنسان. لم أندم يوماً على مشاركتي في الحرب وإن ناداني الواجب مرّة أخرى سأشارك في الحرب مرّة جديدة ضمن إمكانياتي”.

بعد إصابته بدأ جان يتمرّن على آلة “الأورغ” وكان تمريناً سمعياً في البداية، ثم ما إن تمكّن من العزف بطريقة محترفة حتى أصبح يدرّب “كورس” الرعية وهو الى اليوم يقوم بهذا العمل.
ويختم جان: “لغاية اليوم مرّ 38 عاماً على إصابتي، سابقاً كنت أعمل لإعالة عائلتي ولم يكن لديّ رأس مال لأستطيع تأمينها بعد الإصابة. كثيرون ساعدوني ولكن وحده الله هو من أعال عائلتي. أنا أؤمن إيماناً كاملاً أنه ليس أنا، جان صفير، من قام بكل هذا العمل بل العناية الإلهية هي من كانت تعمل فيّ وبداخلي. العناية الإلهية تدخّلت كثيراً لإعالة عائلتي، يجب أن نؤمن بوجود الله فينا ونمارس إيماننا”.
* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية