تظاهرة للنفايات تجتاح شوارع لبنان مجبولة بالأمطار… والآتي أعظم

تظاهرة من نوع آخر شهدتها أحياء المناطق اللبنانية كافّة تزامناً مع أولى أمطار تشرين. منذ الصباح الباكر جابَت أكياس الزبالة الشوارع، طرقات أقفِلت، عبّارات انسَدّت، أنفاق عامت، منازل طافت، سيارات تعطّلت، مواطنون علقوا لساعات… فالأمطار بدلاً من أن تكون نعمة، تحوّلت مع أزمة النفايات إلى نقمة، مخَلّفةً مشاهد صادمة أثارَت غضب اللبنانيين، وأشعلت معها مواقع التواصل الاجتماعي. لم تترك النفايات زاويةً تعتب عليها… .

وكأنّ اللبنانيين لم يكن ينقصهم إلّا أزمة النفايات لتتعطّل حياتهم وتتعرقل يومياتهم تزامناً مع هطول الأمطار. «من دون زبالة منِغرق، كيف هلّق؟»، السؤال عينه يتردّد على ألسنة المواطنين وهم يترقّبون النشرات الجوية وحلول العاصفة، إلى أن وصَلهم الجواب المدوّي مع «الشتوة الأولى».

ففي جولة قامت بها «الجمهورية» على عدد من المناطق اللبنانية، المشهد عينه تكرّر، أكياس القمامة ساوت مختلف الأحياء، فانتشرَت على عرض الطرقات، بين السيارات، حتى إنّها دخلت إلى المنازل، لا سيّما الطوابق السفلى منها، أمّا المواطنون المحاصَرون في سياراتهم، في منازلهم، في الطرقات يترحّمون «ع لبنان يا قطعة سما»، ويتندّمون على حظّهم، فمنهم مَن استسلم لعاصفة النفايات، فركنَ سيارته جانباً ريثما يخفّ المطر، وآخَر أُجبر على النزول إلى الشارع لفتح العبّارة: «أكلتنا لِزبالة يا عمّي شو بدنا نعمل؟». صرخة مدوّية أطلقها العمّ غسان وهو يحاول تجميع أكياس النفايات التي تجمّعت بالقرب من منزله.

المشهد عينه، انسحبَ جنوباً، حيث تسبّبت الأمطار الغزيرة بأضرار جمّة في صيدا، فانهارت «سقالة» لترميم عمارة المقاصد، فأدّى سقوط مئات القساطل الحديدية إلى قطع الطريق بالكامل وتضرُّر 5 سيارات صودف وجودها في المنطقة. وقد أنقذت العناية الإلهية سائقي السيارات واقتصرت الأضرار على المادّيات. وقد حضرت إلى المكان عناصر الدفاع المدني والصليب الأحمر اللبناني وبلدية صيدا، حيث عملوا على إعادة فتح الطريق والبدء بإصلاح ما تضرّر من كابلات للكهرباء والهاتف.

المواقع الإلكترونية تشتعل

حيال المشاهد المقزّزة، صبَّ معظم اللبنانيين غضبهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي اشتعلت بالتعليقات الهازئة المبكية من الواقع. فنشَر الناشطون فيديوهات خاصة بأحياء تغرَق، وعبّارات مسدودة، كذلك فعّلوا «هشتاغ» لبنان_يغرق و#إقترح_اسم_للعاصمة، ومن التعليقات: «يا ضيعانك يا وطني»، و«من إيدو الله يزيدو»، وغيرها من التعليقات الشاجبة للمشهد والمطالِبة بالإسراع لوضع حلّ لأزمة النفايات.

… والسياسية

حيال تفاقم نقمة المواطنين، توالت المواقف السياسية المستنكرة، فقد أسف وزير الأشغال العامة والنقل غازي زعيتر، لمشهد تراكم النفايات، قائلاً: «ناشدتُ منذ أكثر من 3 أشهر الوزارات لتحذيرهم من مغبّة تراكم النفايات على الطرقات عشوائياً، وخصوصاً مع أوّل هطول للأمطار، لكن للأسف لا آذان صاغية».

وأضاف: «وقّعت وزارة الأشغال عقوداً مع الشركات لتنظيف مجاري المياه، وقامت الشركات بواجبها، ولكنّ تراكم النفايات هو المشكلة. وقد طلبتُ من الشركات المتعهّدة أن تقوم بإزالة النفايات، ووافقَت رغم أنّ العقد لا يلزمها رفعَها، لكنّ المشكلة التي برزت تكمن بإيجاد المكان المناسب لرمي النفايات»، مؤكّداً حِرصه على «التعاون مع الجميع لحلّ أزمة النفايات، ووضع كلّ إمكانات الوزارة في الساحات والطرقات لتخطّي هذه المعضلة».

من جهته، اعتبر وزير الصحة العامة وائل أبو فاعور أنّه «سيكون لوزير الزراعة أكرم شهيّب جولة تداوُل أخيرة، سيكشف بعدها المستور إذا لم تسِر الخطة»، مضيفاً: «وصلنا إلى المحظور الذي طالما حذّرنا منه، والمخاطرُ الصحّية ازدادت، خصوصاً على المدى البعيد، نتيجة الترسّبات، والأولوية لإعادة جمع النفايات التي تبعثرت».

من جهتها ناشدت النائب ستريدا جعجع، «رئيس الحكومة تمام سلام والوزراء من مختلف الأطراف، وبمعزل عن الانتماءات الفئوية والخلافات السياسية، أن يبادروا فوراً لإيجاد حلّ عاجل لقضية النفايات، التي أظهرت الأمطار الغزيرة التي هطلت اليوم مدى خطرها على الصحّة والمياه الجوفية والبيئة، بحيث لا تميّز بين إنسان وآخر وطائفة وأخرى ومنطقة وأخرى، مهدّدةً بتفشّي الأمراض الخطرة والأوبئة وتلوّث مياه الشَفة».

… والمجتمع المدني

ومساء أمس، نفّذت مجموعة من الحراك المدني اعتصاماً في ساحة رياض الصلح، احتجاجاً على ما آلَ إليه ملف النفايات. فرفعَ المشاركون لافتات «تسخر من الوضع، الذي وصلت إليه البلاد»، محمّلين الطبقة السياسية بكلّ أطيافها «مسؤولية ما حدث»، وتتّهمها بـ«الفساد الذي أوصلنا إلى هذه الكارثة البيئية والصحية».

وألقى الناشط أيمن مروّة باسم المتظاهرين كلمةً حمّل فيها الحكومة «مسؤولية ما جرى»، معتبراً أنّ «ما حصل، يشكّل إذلالاً للشعب اللبناني»، داعياً السلطة السياسية التي وصَفها بـ»الفاشلة والعاجزة، إلى الرحيل».

وبعد الكلمة، عَمد المشاركون في الاعتصام إلى هزّ الشريط الشائك أمام السراي، في خطوة تعبيرية، ثمّ توجّهوا إلى أمام منزل رئيس الحكومة تمام سلام في المصيطبة. وقبل أن ينهوا تحرّكهم، أمهل الناشطون «الحكومة حتى نهار الخميس، لحلّ مشكلة النفايات، تحت طائلة التصعيد»، على أن يتمّ الإعلان عن تفاصيل التحرّك «في الوقت المناسب».

والحلّ؟

ومواكبةً للظروف الطارئة المستجدّة، عملت القوى الامنية على مساعدة المواطنين العالقين في سياراتهم بما أوتيَ لها من وسائل. أمّا السؤال الأبرز فهو ما الحل؟

في هذا الإطار يُحذّر الخبير البيئي رئيس جمعية غرين غلوب سمير سكاف من تداعيات استمرار النفايات في الشارع تزامناً مع فصل الشتاء. قائلاً: «لا شكّ في أنّ الجَرف سيشتدّ مع تساقط المزيد من الأمطار، لذا لا نستبعد مشاهدَ أغرب ممّا رأيناه، كوصول النفايات إلى المطار مثلاً». أمّا بالنسبة إلى الحل؟

فيجيب سكاف: «أوّلاً لا بدّ من الإسراع في رفع النفايات من الشوارع كافّة، وتجميعها في أماكن مقفلة حتى يتمّ نقلها، أو تغطيتها بانتظار البدء بتطبيق خطوة الوزير أكرم شهيّب»، مشدّداً على عدم «حرقِها نظراً إلى التداعيات الصحّية الخطيرة التي يدفع المواطنون ثمنها، وتحديداً أمراض رئوية، صدرية، وغيرها». ويذهب سكاف أبعد من ذلك، متوقّفاً عند الثقافة البيئية، قائلاً: «في الأساس لا بدّ من العمل على تخفيف الاستهلاك، بالتالي الحد من إنتاج النفايات».

ويرفع سكاف الصوت عالياً «لإطلاق عملية الفرز فوراً من المصدر مع اعتماد مراكز لتجميع المفروز منها، بالإضافة إلى إطلاق عملية التسميد المنزلي في حدائق المنازل الجبلية، أي استعمال فئة محددة من النفايات كأسمدة طبيعية».

من الواضح أنّ المشكلة لن تُحلّ في القريب العاجل، فهل تُشكّل النفايات عنصر ضغط لتنفيذ خطة وزير الزراعة أكرم شهيّب، أم همّاً جديداً سيضاف إلى معاناة اللبنانيين ويدفعون مجدداً الثمن وهذه المرّة الأغلى… من صحتهم؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل