افتتاحية المسيرة: لعلهم يعتذرون…

افتتاحية “المسيرة”: العدد 1532

وبعد، هل ما زال في لبنان حرمة أو محرّمات؟

الوطن بات أقرب إلى فكرة بين الواقع والحلم، يبدأ من كتب الجغرافية والتاريخ، ولا ينتهي بفيزا إلى ديار الله الواسعة.

الميثاق عرضة للإنتهاك، بل لتفسيرات شتى، وصولاً إلى سعي “حزب الله” لإدراج المقاومة في عناوينه!

الدستور وجهة نظر حيث لكلٍّ رأي وموقف تنفيذي!

الطائف موضع تشكيك بأهليته بعد ربع قرن على إقراره.

القانون لا قيمة له في بلد يتصرف فيه البعض وكأنه حكر لهم، أو كأنه وُلد للتو بفضل سلاحهم، أو أنه مستمر وصامد بفضل “تضحياتهم الجليلة” كرمى لمشروع الولي الفقيه، ودعماً للنظام السوري الذي بات مجرد جرم تابع يعتاش على دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفصائلها اللبنانية والعراقية والأفغانية، تحت غطاء السوخوي الروسية.

السياسة عملياً فقدت الحد الأدنى من الأخلاق والفروسية، نتيجة تفشي مفاهيم أحادية وعقائدية غريبة عن الاجتماع اللبناني، وترتبط بأجندات بل بتوقعات وأحلام خيالية فلكية، وكأن الزمن سيعود إلى الوراء!

هذه اللوحة البائسة، مضافاً إليها التدهور الإقتصادي المريع، ونزف الأدمغة والتفلت الإجتماعي، تطرح تساؤلات حول ما إذا كان بعض اللبنانيين بالهوية ما زالوا لبنانيين بالانتماء، وما إذا كانت الدولة التي تلخّص مفهوم الشراكة والعيش المشترك هي الحل والخلاص.

إن لبنان لم يعد يحتمل المزيد من الإنهيارات والتعطيل ومحاولات تقويض أركانه، ولذلك، لا بد من إعادة النظر في بعض الحسابات عبر التأكيد على أن اللبنانيين المخلصين لن يسمحوا بالوصول إلى الخراب، ولو كانت التضحيات مضاعفة

البعض يحاول أن يقضي على صورة لبنان الذي عرفناه وقاتلنا من أجله، من خلال القتال على أرض الآخرين ومن أجل الآخرين. يرفعون أعلامًا وشعارات لا مكان للبنان فيها. لقد أسقطوا لبنان من حساباتهم ويحاولون أن يسقطوه من التاريخ ومن الجغرافيا.

والبعض يحاول أن يقضي على لبنان بالنفايات ويحوله من وطن الأرز الى وطن الأوبئة والأمراض. ولكن فاتهم أن هذا الوطن أقوى من أي محاولة للقضاء عليه، وفاتهم أنهم بما يفعلونه إنما يقضون على أنفسهم وعلى الحالة التي يمثلونها وعلى انتمائهم المفترض لهذا الوطن الذي يبقى مهما طالت التجربة عصيًا على كل محاولات محوه من الخريطة وتزوير تاريخه وحاضره ومستقبله. وفاتهم أيضًا أنهم بدل إغراق الوطن في الحروب وفي النفايات سيغرقون أنفسهم وسيبحثون في النهاية عن شاطئ أمان عندما يعودون من هذه الحروب مهزومين وخاسرين.

لعلهم في النهاية يعتذرون من الوطن الذي أسقطوه من قاموسهم وحاولوا اغتياله على قاعدة “لو كنت أعلم”. والواقع المر أنهم يفعلون وهم يعلمون…

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل