
منذ نحو أربعة عقود، أي منذ اندلاع حروب الطغاة وميليشياتهم على هذا البلد الصغير، وحتى اليوم، وصولاً إلى “حزب الإيرانيين” يُحس اللبناني بأن كل شيء موقت حوله: حياته وبلاده ومؤسساته ودولته وحدوده وثقافته وهوياته وأمكنته ومنازله ومدنه.
كل شيء يبدو كل يوم وكأنه على حافة نهاية. شعب الحافة. بتنا شعب الهاوية. شعب الخروج. كل حرب نشبت في الماضي كأنها مجهول عليهم. نهاية. أو خوف من نهاية. أو رعب من آتٍ وشيك. ذلك ان الوصايات على تعداد ميليشياتها عملت على زرع هذه المشاعر والكوابيس والهواجس. كل وصاية أو احتلال أو وجود خارجي طاغٍ يعني في ما يعني جَعلنا نحس بأننا على غير ثبات، على رمال متحركة، على حرائق موصولة. أو لم يكن كل ذلك أيام وصاية آل الأسد؟ أو الاحتلال الاسرائيلي وتدخل الاستبداديين ومرتزقتهم مثل ليبيا القذافي وعراق البعث… ثم تتويجاً لهذه الأجواء المترجرجة ولاية فقيه الظلام؟ ومنذ شرّفنا حزب “الكهوف” والعنف بعد تحريره الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي وتسليمه باليد للوصايتين السورية والفارسية تعمقت هذه المشاعر بهشاشة ظروفنا وأوضاعنا: الدولة موقتة تهتز بكل أركانها. الجيش مُهدد كبنية وكوحدة وكدور. مجلس النواب متحف لا يزوره سوى من يحنّ إلى تاريخه: “أثر بعد عين” الحكومة معطلة ومفككة. وزراؤها لا فُرادى ولا زُمر. بيروت دائماً على حافة ما يُشبه الغزو الصهيوني و7 أيار. ومقولة إما الأمر لنا أو النهاية. إما الميلاد لنا أو الدمار… أي استرجاع كل مناخات الحروب الماضية بما هو أدهى منها. إنه دور حزب فقهاء الاغتيال والعتمة والخوارج على كل استقرار، أو بناء، أو ثقافة، أو حضارة، أو مدنية. كأنما، ما شهدنا في الماضي في زمن الميليشيات، يعود بنفاياته، وحطامه بأعنف وبأكثر تسلطاً وخطراً.
الذين حولوا لبنان نفاية، أثناء الحروب السابقة، عادوا بأقنعة أخرى، وبوجوه أشرس: “لبنان نفاية” كل شيء فيه نفايات. فصوله نفايات. أمطاره نفايات. مدنه، شمسه. شوارعه، جباله، مدارسه، جامعاته، أطفاله، شبابه نفايات. وعلينا أن نجهّز أنفسنا كل يوم لنكون نفايات. لا شيء. مجرد نفايات. وما نشهد حالياً في ما سميت أزمة النفايات والمطامر ليس سوى مجاز أو علامات، لتاريخ يومي موصول ومطّرد. أمسكوا الذهب يَصِره نفايات. افتحوا كتاباً يصرّ نفايات. قلبوا الدستور يصِرُّ نفايات. مجلس النواب نفايات. الحكومة. شبابنا تحولوا نفايات عندما ساقهم حزب الخراب إلى سوريا ليدافعوا عن نظام آل الأسد. يذهبون كالورود ويعودون رماداً. قبورنا نفايات. تلفزيوناتنا واعلامنا نفايات، نفايات، نفايات. عندما نجد النفايات تطفو وتتدفق في الشوارع، فكأن ما نرى هو مآل كل شيء عندنا: نحن نطفو كالنفايات في الشوارع والأنهر والطرقات. تاريخنا يطفو علينا بقايانا تُغرقنا. ذلك ان أسعد لحظات حزب بني فارس ان يرى كل شيء حوله نفايات. فكل لبنان نفايات وسوريا واليمن والبحرين والعراق… نفايات. أي تعميق المشاعر بالزوال. بخراب الأمكنة ودمار العقول. وتحلل الحريات. وتفكك الديموقراطيات. وتناسل الدم المهراق.. قد يعزّ على هذا الحزب أن يرى حديقة أو شجرة، أو غابة، أو دسكرة، لم يحولها نفايات. يعاني إلى ان يدمرها، فيكون ظفره وفردوسه الأرضي، والسماوي وأحلامه ونجومه وفضاءاته وهواؤه. هنا مستقره. أتصبح النفايات معنى ورمزاً للأفكار؟ نعم! أتصبح دليلاً إلى الهوية؟ نعم! أتصبح “صراعاً” سياسياً؟ نعم! أتصبح وسيلة تبادلية؟ نعم! فعليك إذاً ان تتعلم لغة النفايات لكي تفهم ألغاز هذا الحزب وعليك ان تتعلم لغة الخشب (والخشب نفايات الشجر) لكي تستوعب ألسِنة الحزب. وعليك ان تغير الأبجديات والهيروغليفيات والخطوط والأحرف والفاعل والمفعول به والمصدر وهمزة الوصل والقطع، لكي تفهم تقاطع كلماته. ذلك ان حزباً ارتضع النفايات لا بد ان يسري في عروقه سائل النفايات وما خلفته التعاليم والمدارس والأحاسيس وحتى الثقافات. إلى درجة تسأل عن عبق يفوح من جوانب هذا الحزب، فلا تشتم سوى روائح ما يموت وما يندثر وما ينتن وما يصير أوبئة وأمراضاَ وأعراضاً تلوذ بها النهايات. فالحزب الذي لم ير من تاريخ بلاده سوى النفايات فمن الطبيعي أن يتعاطى معه كنفايات. قالها محمد رعد “لبنان لم يكن موجوداً قبلنا. كان نقطة صغيرة مجهولة على خريطة العالم. نحن أوجدناه” نعم! أي ان محمد رعد (ومعه نعيم قاسم) يعتبر ان لبنان كان قبلهما نفايات، لكن معهما، سيتحول إلى أكثر من نفايات. إلى أقل من بقايا زمن وأمكنة أقل من حضور. أقل من وجود. من كيان. مجرد “أثر” (والأثر نفايات العيش وما خلفه الماضي)، ولا يستحق لبنان بالنسبة اليهم حتى مطمرة أو مقبرة، أو فجوة تحت التراب. هذا هو مفهوم الحزب لوطنه (الأم) مجرد ذرات ضوضائية تدور في أفلاك العدم. اتركوا النفايات أمامنا وعلى مدى مداركنا فهي الرمز، والاشارة، لمجيء زمن جديد» يقول عباقرة الحزب. وأي زمن؟ وهل للنفايات زمن جديد؟ ربما: الكوليرا والسرطانات والطاعون وخراب النفوس وضياع المسالك وتفتت الأحلام. من يحلم بالنفايات لا ينتج سوى النفايات ومن يقاوم بالنفايات لا ينتصر إلا بالنفايات. ها هي انتصارات الحزب في سوريا. وها هي مشاركاته في العراق، واليمن: تصدير «أحجار» تحول كل شيء جثثاً (والجثة نفايات الجسم) ومذهبية (والمذهبية نفايات الدين) والعمالة (والعمالة نفايات الإيمان) والنفاق (والنفاق نفايات الفكر) والقتل (والقتل نفايات العدم) والغريب اننا شهدنا كثيراً من المقاومات والممانعات وأشكال التصدي والصمود والمواجهة في لبنان، هنا شرقاَ وهناك غرباً… ولم تكن سوى نفايات الكلام، والسلاح والأحلام والاغتصاب والدمار والجبن لتصب كلها في مؤامرات محبوكة على هذا البلد الصغير. لم تنهض مقاومة مذهبية في لبنان إلا على نفايات البشر والحجر. إلا على التفكك. والتقسيم والتجزئة والمجازر والخيانة. (وكلها من نفايات المبادئ والالتزامات المشوهة والعماء (والعماء من نفايات العيون). كل مقاومة كانت حرباً على البلد الصغير. تهجيراً لأهله. موتاً لأبنائه وشبابه. مقبرة للآمال. فكيف تطلع مقاومة ما، مشوهة من دون أن تحمل رائحة المقابر. انه «حزب الله«، آخر المقاومات الملتبسة، الفائحة بالرميم وبالهياكل العظمية والجثث المتحللة والدماء المتجمدة على الرمال والأرصفة والأتربة والخنادق. طلع الحزب من مقابر الماضي، وها هو يحول الماضي والحاضر مقابر وأضرحة مجهولة السكان والأسماء والتواريخ. من يطلع من القتل لا يُجد سوى القتل. ومن يُصنع من كيميائيات الموتى وخلايا كفرنكشتاين لا يعرف سوى تصنيع العدم. العدم يصدر العدم. وكل ما صدّره حتى الآن عدماً. حوّل التحرير نفاية للتحرير. جعل انتصاراته نفاية للانتصار. جعل مجده من نفايات أكاليل الغار. (كل أكاليل غاره سوداء سوداء).
الحياة
لكن من يكره العمران والمدن الحية والشوارع الحرة والعلاقات الاجتماعية والفرح والحياة، والحب، والورود، والأحلام؟ يُحبها من يحيا، ومن في عيونه ضوء، وفي صدره قلب، ومن في أيديه أغصان، ومن يؤمن بالإنسان. أي الذين ولدوا ليعيشوا، أي الذين يموتون لأنهم عاشوا. أي الذين يرون في الشمس شمساً، وفي الفضاء نجوماً. إنها ثقافة الحياة تنتج الحياة، والحاضر، والمستقبل، وتحيي الماضي. كل هذا يكرهه حزب إيران، خصوصاً حب الحياة . «ماذا تفعلون بهذه الحياة إذا لم تنذروها للخراب؟« يقولون في حزب الله «ماذا تفعلون بهذه المدن إذا لم تروا فيها حطاماً، وخراباً». ألهذا يكره بيروت؟ نعم! لأن بيروت، قبله، وقبل كل الميليشيات السابقة التي طلع من صلبها الأسود، كانت للضوء، نوافذها مفتوحة للعالم، للعرب ولآخر سكان الأرض. على أرصفتها، يلمع تعدد الهويات والأقطار واللغات والثقافات والحضارات والتبادل والتفاعل. جماليات بيروت، قلّ نظيرها بين المدن المجاورة والبعيدة.
ويقولون «ماذا تفعلون بهذه المقاهي، ملجأ العملاء، والمثقفين؟ ماذا تفعلون بهذه المكتبات المكتظة بكتب مارقة، من زناديق الشر، وشعراء المخيلات المريضة؟ ماذا تفعلون بهذه الصحف، أوكار التجسس، والكذب، والتآمر، والخيانة؟ وما هذا التشدق بالحرية؟ وأي حرية، وهل هناك ما يُسمى حرية، سوى ما ينتجه الولي الفقيه، فهو يُعيّن الشعب، وليس الشعب من يعيّنه، وهو يحكم بأمر الله، وليس القضاء ما يحكم، وهو حامل بعينيه ميزان الحق، وكل ميزان آخر خروج على «الذات الإلهية»، ومشيئتها، وأحكامها». أما الديموقراطية، التي يعف حزب إيران حتى عن «التلفظ بها» أو ذكرها (كالحرية)، فيراها صورة الخضوع للتاريخ الآخر، وللزنادقة، وللإغريق، والحضارة، والثورات، كافرة (بل أكفر من هذا المعتوه سلمان رشدي وأخون من موسوي وكروبي ورفسنجاني وجماعة الثورة على ولاية الفقيه في إيران التي طوّبها الله عزّ وجلّ بأسمائنا، وطبعها إلى الأبد على وجوهنا، لنكون نحن بركاتها، وكل معارض لعنة من لعناتها).
“وعلى مَ تتشدّقون بحرية الصحافة! والصحافة مجرد قصاصات وحبر لا قيمة لمن يكتب فيها، إلا ما جعلناها من أبواقنا، وميزنا قمحها من زؤانها. قمحها نحن وزؤانها الآخرون. نعم! «الآخرون هم الجحيم، الآخرون هم الجحيم»! صحافتنا العميلة هي المؤمنة بنا، في الدار الباقية والفانية، تنتظرها الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، وصحافتهم، لا تساوي ثمن ورقها، وورقها للحرائق، وكتابها للموت. «الموت للصحافة» (تذكروا الشهيدين جبران تويني وسمير قصير والشهيدين الحيين مروان حمادة ومي الشدياق)! «اقتلوهم! حرية التعبير لا هي في الآخر ولا في المبتدى!”.
لبنان
أما لبنان، فله عند حزب الشيطان، ما للكيان الصهيوني، ونظام آل الأسد: مجرد طوائف، وقبائل متوحشة، ومشروع تابع وعائلات فاسدة، وديموقراطية مزيفة، واستقلال مريب، وسيادة ملتبسة وتاريخ مجهول. إذاً كيان اصطناعي (وإسرائيل دولة أصيلة! مؤصلة)، وعلاقات قسرية. إذاً، إنه مساحة خطرة وهشة ومُهيأة لنا، لنصادره، وندمر «دولته»، وكل ما يمت بها؛ وهذا اللبنان «قاصر» عمره لا يتعدى عمر أحزابنا! وعلينا إلقاء الوصاية عليه«.
“أما لبنان الواحد فبدعة. فطوائفه تتعايش قسرياً، وما علينا إلاّ أن نعمق الفتن المذهبية، حتى يتحلل أمامنا ككومة من الرمل”.
لكن مع هذا يقول حزب الشيطان (وسبق أن قاله حزب البعث والكيان الإسرائيلي) أن لبنان خطر بهشاشته، وبثقافته، ووشائجه وديموقراطيته، وحرياته، وصحافته، وشعرائه، ومفكريه، وفلاسفته… إذاً، فلنسوه بالحضيض مادياً ومعنوياً. فهو واحتنا، فيه من الخيرات ما يجذبنا إلى نهبها، وفيه من التعدديات ما يغرينا بتفسيخه». لبنان ممر إذاً. جسر مطامع، وطموحات، وقومية عربية، وهلالات صهيونية وإيرانية تتواصل ضد العرب (ولبنان باني العروبة، ونهضتها، وتنويرها)، فلندمر كل شيء فيه، لكي يستقيم في قبضاتنا. لنزرع فيه هواجس الحروب الأهلية، والفتن المذهبية فلا يعود واحداً، ولا متعدداً، بل مجرد كانتونات متناحرة متلاغية.
الكانتون
وهذا ما شهدناه في الحروب السابقة، تحوّل البلد كانتونات. ثم شرفنا حزب خامنئي، ليحاول الاستفادة من تلك الكانتونات التي فككت، ويبني على نفاياتها كانتونه الإمبراطوري. وهذا ما دأب عليه منذ عودته من الجنوب مقاوماً عند إيران لتحرير لبنان! وهنا استعيد زمن النفايات، وهنا بدأت مقاومته الثانية الأجيرة ضد لبنان. وعندما بدأت تلوح أزمة النفايات في البلد، صرخ «وجدتها، وجدتها». فلبنان من النفايات وإلى النفايات يعود». فلتكن أزمة وجود. وكيان. وحكومة. وشعب. وتحرير. فما دام كانتوننا قائماً بكل مجده على نفايات الكانتونات السابقة، وعلى حطام الدولة، فلتكن هذه الأزمة دليلنا، نغطي بها هزائمنا في سوريا، وفي العراق، وفي اليمن، وفي البحرين، ونموّه بها سقوط ألوف الشبان الشيعة في كانتوننا المفدى. فلتكن صورة هذه الأزمة على صورة كانتوننا: فلتكن مسألة تقسيمية، مذهبية، كانتونية. فلنُعد زمن الكانتونات بالنفايات، وهكذا يتساوى الجميع بنفاياتنا الكانتونية. وهكذا نعمق التعطيل. فإذا كان من حلّ، فليكن مذهبياً: لكل طائفة ومذهب ومنطقة نفاياتها ومطامرها، لأنها ستصب في النهاية في كانتوننا! فلنحوّل المطر نفايات. والهواء نفايات. والمنازل والحقول والجبال والأدوية والمدن والمحال والمصانع… نفايات! لأن مجاز هذه الكلمة السحرية يعني الخراب العميم. تفكيك كل شيء وجعله نفايات… لنبني جمهورية ولاية الفقيه وهلاله الصهيوني… عليها!
آمين!
