#adsense

سجون وساحات – إيلي واكد: كسرنا جدار الخوف مع زيارة البابا

حجم الخط

ينتمي الى فئة “الجندي المجهول” الذي يعمل بصمت في الكواليس وغالبًا ما تكون نتائج عمله مدّوية ومؤثرة من دون أن يذيّل عمله بتوقيع. رأينا أعماله كمخرج ومنتج في إحتفالات “القوات اللبنانية” وقداسات الشهداء ومهرجانات 14 آذار. كل تلك الأفلام التي وثقّت تضحيات المقاومة اللبنانية تشهد لجهده على توثيق تاريخ “القوات” لإنعاش ذاكرة من ضربهم النسيان أو تعريف الجيل الجديد من الشباب على حقبة مجيدة من تاريخ المقاومة المسيحية اللبنانية. إيلي واكد الرفيق الذي عرف كيف يستغل الصورة والصوت للتأثير في الرأي العام ومقاومة سلطة الوصاية إبان إعتقال الدكتور سمير جعجع يتذكر محطات في سطور.

هو إبن منطقة بعبدا يعتبر أن الاضطهاد بدأ منذ 14 شباط العام 1989، عندما خرجت “القوات اللبنانية” من المنطقة وطغى نفوذ الظاهرة العونية عليها. يوضح ويقول “أبناء الأشرفية أو كسروان وجبيل لم يعانوا ما عانيناه قبل أن يعتقل الدكتور سمير جعجع، فمنذ بداية حرب الإلغاء بدأت مرحلة الاضطهاد، لن أروي كم مرة إعتقلت ودخلت السجن لأن القواتيين مجموعين لا يشكل سجنهم نقطة في بحر ما عاناه الحكيم في السجن، لكن ما أريد أن أذكّر به هو ذاك الشعور أننا مجرد كوننا “قوات” وحده كان يعني “بهدلة” وإقصاء من قبل من كان يعتبر نفسه يمثل الشرعية والعائلات اللبنانية المحترمة، على رغم أننا نحن أيضًا أبناء عائلات محترمة! مجرد أن أتذكر أننا كنا أكثر من مئة شخص في السجن نشرب من “سطل” ماء واحد وندخل الحمام في أوقات محددة هذا وحده ذلّ ما بعده ذلّ وما زلت أسأل نفسي لماذا؟ ما هي التهمة أو الخطئية التي اقترفناها؟

عمليًا أعتبر أنني التزمت فعليًا بالقضية المسيحية واللبنانية منذ بدأت متابعة دورات التأهيل الفكري بين القطارة والفيدار، عندما تشربت معنى أن ينتمي الواحد منا الى “القوات اللبنانية”، هذا الخط الذي بدأ مع يوحنا مارون ولا ينتهي مع الدكتور جعجع. بعد هذه الدورات صرت أعرف لماذا إغتيل الرئيس الشهيد بشير الجميل ولماذا اعتقل الدكتور جعجع ولماذا كل الشباب من رفاقنا استشهدوا ولماذا الآخرون إضطهدوا، حتى أهلنا الذين آمنوا بالقضية كم عانوا معنا.

علينا أن نتعلم من الاضطهاد الذي عانيناه أن وجودنا هنا مرتبط بمقاومتنا، عندما تقف مقاومتنا نزول. من هنا تمسكنا بمقاومتنا مهما غلت الأثمان كي لا يتغير وجه لبنان حيث الكل تغيّر وتبدل إلا “القوات اللبنانية” التي لا تتنازل وعلى رأسها قائد لم يتنازل طيلة 11 سنة ولن يتغيّر الآن”.

عن فترة المقاومة السلمية طيلة 11 عامًا يقول واكد “حادثتين لا تفارقان ذاكرتي، كنت مسؤولاً عن مصلحة الطلاب في منطقة المتن الجنوبي، عندما لم يعد ممكنًا أن نصل الى غدراس وبعدما اعتقلوا الدكتور جعجع، فكرت مع بعض الرفاق أنه لا بد أن نفعل شيئا على رغم أن التعليمات كانت واضحة أن الحكيم لا يريد أن نفعل شيئًا. بعد أسبوع من الاعتقال عرفت أن أحد أصدقائي يستعد للسفر الى فرنسا وهو مقرّب من المسؤولين الفرنسيين، فقصدت السيدة ستريدا في غدراس وسألتها، هل من رسالة يمكن أن نحمّلها لصديقي فكان جوابها مقتضبًا جدًا “قولوا لهم إن إدانة الحكيم ليست قضائية بل إدانة سياسية”. وهكذا كان، الى أن كانت زيارة البابا يوحنا بولس الثاني الى لبنان، وطُلب منا أن نتحرك ونطلق صرخة. كان مطلوبًا أن ننظّم تجمعًا عند تقاطع الشفروليه، كانت إمكاناتنا صعبة في تلك الأيام وهنا أريد أن أوجه تحية للرفيق جورج هزّاز رحمه الله الذي بمساعدته تمكنا من طبع أكثر من 550 صورة للدكتور جعجع ليلة موعد الزيارة. أذكر أننا في ليلتين طبعنا أكثر من ألف صورة بالأبيض والأسود بواسطة آلة نسخ عادية photocopieuse وهي التي ظهرت على تقاطع الشفروليه بين التجمعات لاستقبال البابا أثناء توجهه الى القصر الجمهوري. وزّعناها ورفعناه بهدف أن نقول أن “القوات” ما زالت حية، وإذا نجحت الحركة على الشفروليه يمكن أن تنجح في باقي المناطق. عندما وصل البابا الى المنطقة ارتفعت اليافطات والصور بشكل تلقائي وما عدنا سألنا عن العواقب. وهذا ما حصل في حريصا وبعدها على أوتوستراد الذوق أمام سيدة النجاة”.

هكذا كسر شباب المتن الجنوبي جدار الخوف وشاركوا في التجمّع بعد سلسلة اتصالات سرية، وكان التحدي ليس في رفع الصور، بل في تجنب الملاحقات بعد مرور قداسة البابا. كان المهم ألا تكتشف سلطة الوصاية من يحرك تلك المجموعات الشعبية وكيف.

يكمل إيلي واكد رواية “حرب الصور” يقول “في ذكرى استشهاد الشيخ بشير الجميل كان مجرد المشاركة حدث كبير فكم بالحري إذا وزعنا صور الرئيس الشهيد والدكتور سمير جعجع معًا. في العام 1998، ليل 13- 14 أيلول كان “نيغاتيف” الصورة معي فاجتمعنا بمبادرة شخصية وقررنا أن ننشر صورة القائد السجين والرئيس الشهيد لنقول أن المسيرة مستمرة، فتبرع كل منا بالمبلغ الذي توفر لديه وكنا كلنا متخرّجين حديثاً ولا قدرات مالية لدينا. قصدت أحد أصحاب المطابع وطلبت منه أن يسعّر كلفة الطباعة، فقلت له بهذا المبلغ أريد ألف صورة، تجمّد الرجل في مكانه وهو من أنصار الجنرال عون، ربما لأنه كان يشعر مثلنا بثقل الاضطهاد فقبل وطبع لنا بمبلغ أقل من الكلفة.

صباح 14 أيلول “وعيت العالم” والصور تملأ الجدران”.

ومن منكم استدعي الى التحقيق؟

ولا أحد منا، أخذوا غيرنا ونحن أصحاب التحرك لم يعرف بنا أحد. هنا أذكر أنهم داهموا منزل الرفيق عبدو زيادة في الحدت ليحققوا معه فلاقتهم والدته، عندما سألوها عنه قالت لهم “هو فوق بتروحوا من هون صوب الصنوبرات في هونيك شاليهات هو شاليتو بعدا جديدة بتلاقو هونيك” كانت تدلهم الى المقابر لأن عبدو كان قد صار شهيدًا!!

كان الظهور انتحاراً والأهم كان أن نتحرك بذكاء وبمبادرات فردية كي لا نحدث شوشرة. المهم كان أن نتحرك ووفق الطاقات المتوافرة لدينا، لنقول أن قضية الحكيم لا تموت.

لم يكن صعبًا علينا أن نفهم ماذا يريد الحكيم وكانت كلمة السرّ تصلنا من ستريدا من دون أن تلفت الانتباه إلينا.

نقل الكادرات العسكرية الى كادرات سياسية بواسطة جهاز الطلائع الفكري كان قرارًا حكيمًا من الحكيم وهو الإطار الذي أهّلنا لنعرف حقيقة كيف نتصرف بذكاء من دون أن نتسبّب باعتقالنا. تعلمنا الكثير من سمير جعجع لا سيما أن نكون منهجيين في عملنا.

عندما خرج الدكتور جعجع كنت أعمل في الـ LBC كمخرج منفّذ وكنت أول من رآه عندما وصل وبدل أن أركض في اتجاهه ركضت الى فان الإرسال لأسجل وصوله ولولا تصويري 15 دقيقة لما حصلنا على الصورة لأن الكل أخذتهم اللحظة. لحظة اللقاء.

كيف خرجت من الـ LBC؟

بواسطة “ميل” أبلغت أنني لم أعد موظفًا في المحطة. رسالة إلكترونية غير موقعة من أي مسؤول. كان همهم أن يتخلصوا منا. قبل شهر من صرفي كنا في اجتماع عام مع بيار الضاهر كشف فيه عن النزاع مع الدكتور جعجع وربط الموضوع بخلاف حول سياسة المحطة وأخبارها وليس نزاعًا على ملكيتها. بعد عرضه سألته “لا أعرف الذي بينك وبين الحكيم وأنت القريب منه وحامل الأمانة قبلنا، لكن سؤالي في حال خسرت “القوات اللبنانية” انتخابات 2009 ما نفع الـ LBC  ووجودنا كله” فصلّح لي “في حال خسرت 14 آذار. أنا مع هذا التفكير المنفتح والعميق…” بعد ذاك السؤال أحسست في داخلي أن المثل القائل “إسمع تفرح جرّب تحزن” ينطبق مئة في المئة على ما سمعناه. بعد 22 يومًا كنت خارج المحطة.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل