آشورية عائدة من أسر “داعش” في الحسكة: الأكراد سهلوا دخول التنظيم قرانا

 

عائلة كاكو واحدة بين مئات العائلات الآشورية المسيحية التي تنوي الهجرة من لبنان إلى أستراليا بعد اجتياح تنظيم “داعش” محافظة الحسكة السورية في 23 شباط الماضي وخطف 230 شخصاً من الطائفة الآشورية بينهم أطفال، قبل أن يفرج عن 46 منهم على دفعات، غالبيتهم من المسنّين ويعانون من أمراض صحيّة. وتقيم البطريركية الآشورية وتنظيم الدولة الإسلامية مفاوضات للإفراج عن البقية (184) في مقابل فدية مالية قدرها 9 ملايين دولار كما يقول اسحق ايشو كاكو لـ “الحياة”. وهو شقيق شميران (60 سنة) من قرية تل جزيرة التي أفرج عنها بعد 6 أشهر على خطفها وأتت إلى لبنان قبل شهرين. ويتابع اسحق الذي نزح وعائلته إلى لبنان قبل سنة خوفاً من اقتحام المسلّحين القرى المسيحية، القضية، إذ لا يزال لديه 4 أشقاء بينهم 3 نساء مخطوفين مع أولادهم.

لا تختلف شميران عن اسحق والنازح آشور كفركيس، فالوجع واحد ورواية رحلة الهروب من قراهم في الحسكة إلى لبنان متشابهة، إلا أن الاختلاف هو في ظروف كل واحد منهم مع ألف عائلة مسيحية نازحة من العراق وسورية الى قضاءي المتن وبعبدا والتي لا يطرق أحد بابها إلا الأهالي الذين تقول العائلات عنهم “إنهم من الطيّبين”.

بعد الإفراج عن شميران كاكو التي تعاني من مرض السكري أوصلها مسلّحون إلى مطرانية كنيسة المشرق الآشورية في الحسكة في “فان” مقابل بدل نقل حيث استقبلها أقارب لها واستضافوها عندهم في قرية تل تمر بعد إصابتها بصدمة نفسية ورؤية منزلها في تل جزيرة مدمَّراً بالكامل.

كانت كاكو متمسِّكة بأرضها وبمنزلها على رغم نزوح أشقاء لها إلى لبنان قبل اقتحام “داعش” القرى، مؤمنة كل الإيمان بأن عائلتها ستعود إلى سورية، ومستبعدة فكرة هروبها من الأرض التي اعتاشت منها إذ كانت عائلتها تعمل بالزِّراعة. لكنها قررت ترك ممتلاكاتها وسط أنقاض بيتها والالتحاق بشقيقها اسحق. رحلة كاكو إلى لبنان كانت سهلة فانتقلت ومعها أوراقها الثبوتية من الحسكة إلى مطار القامشلي ومنه إلى دمشق ثم إلى نقطة المصنع اللبنانية الحدودية.

قبل ثمانية أشهر، ذاقت شميران للمرة الأولى، مرارة الحياة. تروي شميران لـ “الحياة” تفاصيل “احتيال” تنظيم “داعش” على أهالي تل جزيرة لخطف عدد منهم ويومياتها خلال 6 أشهر من احتجازها في جبل الشدادي – معقل التنظيم جنوب محافظة الحسكة.

وتقول: “يوم 23 شباط عند العاشرة صباحاً، جاء 4 مسلّحين بلباس الأكراد إلى القرية ووقفوا أمام منزل جيراننا، التمّ أهل الضّيعة الصغيرة لمعرفة ما يحدث حولهم لأننا كنا نسمع أصوات رصاص حولنا وأبلغنا المسلحون أنهم جاؤوا لتهريبنا وإلا يدخل مسلحو “داعش” علينا، وبعد أن كثر عددنا أقنعونا بوجوب الانتقال من نهر الخابور الذي يفصل القرى الآشورية عن بعضها بعضاً إلى جبل عبدالعزيز، ونقلوا كل 4 أشخاص بزورق مطاطي في النهر واحتجزنا في مشروع تابع للدولة قرب المقابر مقابل الضيعة حتى السابعة مساء وهناك أبلغونا أننا رهائن لدى تنظيم داعش ثم انتقلنا إلى جبل الشدادي – معقل التنظيم”.

وتضيف: “وزّعونا (230) على ثلاث غرف فوضعوا النساء في غرفتين وحشروا الرجال في غرفة واحدة، أذكر أيضاً أنهم أخذوا خمس فتيات تتراوح أعمارهن بين 20 و 23 سنة وأعادوا بعد ساعتين 4 منهن وأبقوا على الخامسة، وأخبرتنا الفتيات أن المسلحين أجبروهن على حفظ آيات قرآنية وأبقوا على فتاة لتدريسها مع أخريات”، مشيرة إلى أنه “لو اعتدى المسلحون عليهن كنَّ اعترفن”. وتقول: “على رغم أنهم كانوا كل يوم يسألوننا عن اعتناق الدين الاسلامي إلا أن معاملتهم معنا كانت جيّدة ولم يهددوننا بالقتل، فلم نشهد أي عملية اغتصاب. فقط سلبوا منا ذهباً وصلباناً”. وتزيد: “أكلت اللحم مرتين خلال فترة خطفي، لكنّهم كانوا يقدمون لنا الرز والعدس والكوسى والبندورة لنطبخ ونقدّم الطعام إلى الرجال المخطوفين”.

كانت النساء يتبادلن الرسائل مع أزواجهن عبر حارس الغرفة التي تقول شميران عنه أنه كان “يحسن التصرّف وكان يسمح لنا بالنوم بعبايات على فرش خارج الغرفة لكثرة الحرّ”.

وفيما كانت دانيالا كاكو ابنة أخ شميران تساعدها، مستعينة بجهاز “آيباد” يحوي صوراً تذكارية، على تذكّر يومياتها خلال فترة خطفها والتي كانت سردتها لها فور وصولها إلى لبنان، عجزت شميران عن محو صورة احتفال النساء داخل الغرفة بقداس عيد الفصح من ذهنها في نيسان الماضي، إذ تشاركن الصلوات والتراتيل وناولن بعضهن بعضاً الخبز الممزوج بالماء.

وتنتظر دانيالا التي كانت تعمل بالأشغال اليدوية في قريتها تأشيرات السفر مع عائلتها إلى استراليا بعد إجراء مقابلات في مكاتب السفارة في لبنان، لكن شميران تصر على البقاء في لبنان حتّى الإفراج عن أشقائها.

وترى عائلة كاكو إضافة إلى شادي يوخنا (شقيق زوجة شقيقها اسحق) وآشور كفركيس الذي نزح إلى لبنان الثلثاء الماضي من القامشلي (التي تستقبل الهاربين من الحسكة في المنازل والأديرة) خوفاً من المسلّحين، في تصريحات الكنيسة الأرثوذكسية الروسية حول “الحرب المقدسة” التي يخوضها الجيش الروسي في سورية قراراً سياسياً.

ويقول يوخنا لـ “الحياة” إن “الأكراد الذين يدّعون حمايتنا في محافظة الحسكة خانونا، وأخبرني أحد الأصدقاء الذي تمكن من الهروب أن الأكراد الذين ادعوا تطويق القرى لحمايتنا فسحوا المجال أمام مسلحي “داعش” الذين أتوا عبر نهر الخابور لخطفهم، فلم يأتِ أحد منهم لنجدتهم، وبعد أن تمّت عملية الخطف سرق الأكراد المنازل والكنائس قبل أن يعود المسلّحون ويدمروا القرى”. أما كفركيس الموظّف في إحدى الدوائر الحكومية في سورية، والذي يعاني من مرض السرطان فيقول لـ “الحياة” إنه قام بتهريب ابنه إلى تركيا خوفاً من قيام الأكراد بتجنيده في صفوفهم. وقال: “يأخذون شبابنا من الشارع من طريق الصدفة”، مشيراً إلى مقتل ابن شقيقه البالغ من العمر 21 سنة بعدما نصب عناصر “داعش” مكمناً لهم في الحسكة.

حال آشور كحال عدد كبير من العائلات الآشورية النازحة إلى لبنان من العراق وسورية التي لا يزال أمامها رحلة واحدة وهي إما إلى كندا أو ألمانيا أو أستراليا التي فتحت أبوابها لـ12 ألف نازح إلى تركيا والأردن ولبنان حتى حزيران (يونيو) المقبل بحسب خادم رعية كنيسة مار جاورجيوس الآشورية في لبنان الأب سرجون زومايا. ويقول لـ “الحياة”: “من لديه أقارب هناك يمكنهم أن يكفلوه”. وأضاف: “أن يتركوا الكنيسة شيء مؤسف لكن ليس لدينا بديل لتأمين مبلغ 650 دولاراً بدل ايجار منازلهم”.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل