#adsense

المشكلة ليست في قلّة الرجال… بل في قلّة تعبيرهم

حجم الخط
تعاني المرأة دائماً مشكلة عدم تعبير الرجل عن مشاعره. فعدد كبير من الرجال يتجنّب الإفصاح عن مشاعره بقصد أو عن غير قصد، أمّا المرأة فتنتظر من فارس أحلامها الاهتمام والإطراء والغزل والتقدير والتعبير عن المشاعر الجيّاشة. ويدفعها هذا التناقض بين قلّة تعبيره وارتفاع توقعاتها العاطفية إلى الحيرة والقلق، ما قد يخلق في داخلها غيرة عمياء عليه وحالة عدم رضى عن شكلها وحضورها، وقد تتفجّر هذه الحالة مشاكل مدوّية بين الطرفين. فلانطواء الرجل على نفسه آثار مدمّرة على العلاقات الغرامية لا يدرك مدى خطورتها.

الطغيان الواضح لعدد الرجال الذين يستصعبون التعبير عن مشاعرهم تقف وراءه أسباب جدّية أو حتّى مرضية قد تدفع الرجل إلى بناء «علاقة غرامية» خالية من العاطفة، أي منسوفة الجوهر.

لماذا لا يعبّر؟

يؤكّد الاختصاصي في علم النفس العيادي الدكتور نبيل خوري لـ«الجمهورية» «وجود أصناف من الرجال لم يشعروا بالعاطفة في عائلاتهم منذ الصغر ولم يتبادلوها، ما جعلهم يعتقدون أنّ الحياة الزوجية تقوم على مبدأ الاحترام المتبادل والتكامل بين الذكر والأنثى، وليس بالضرورة أن تكون مشبَّعة أو مفعمة بالعواطف».

ويوضح أنّ الظروف العائلية التي تنشىء رجلاً بخيلاً في التعبير عن مشاعره كثيرة ومتنوّعة، مضيفاً أنّ «هؤلاء الرجال قد عاشوا في كنف أبٍ وأمّ علاقتهما فاترة، أو كانت علاقة قائمة على مجموعة مبادىء إنما الحب لا مكان له فيها، أو لم تخلُ من المشاكل والتعقيدات والمشاحنات، أو كان الأب مسافراً أو منفصلاً أو متوفياً والأم مُتّكلة على نفسها في إدارة شؤون العائلة».

ويؤكّد أنّ كلّ هذه الظروف العائلية تبني رجالاً «لا يتواصلون بشكل عاطفي مع نسائهم، ويعتبرون أنّ ما يقدّمونه من واجبات في الإطار العائلي كافٍ، فيفرشون لنسائهم بيتاً محترماً ويهتمّون بإدخال أولادهم أفضل المدارس، وقد يقومون بمنح شريكاتهم مخصّصات مالية أو يشترون لهنّ سيارة أو أي شيء تحتاجه المرأة».

ويعتبرون أنهم قد أتمّوا واجباتهم تجاه نسائهم عبر شراء المقتنيات، ويشجعهم المجتمع على ذلك من خلال حسد المرأة على ما يقدّمه لها شريكها من رَفاه، من دون إدراك تفاصيل حياة الثنائي اليومية.

ويكشف الدكتور نبيل خوري عن نوع آخر من الرجال الذي يصفه بـ»النرجسي»، فهو بعكس الرجل الذي حُرم من العاطفة في صغره قد تربّى في بيئة عاطفية، ولكنّ أنانيته جعلته «يعتقد أنه يجب أن يكون دائماً محطّ الإهتمام في المنزل، فلا يَجهد لأن تكون زوجته مكتملة الاحتياجات، ويحرمها من بعض المقوّمات الأساسية ليظلّ مسيطراً على موقعه ومحافظاً عليه».

ويفضح الاختصاصي في علم النفس العيادي نوعاً من الرجال الذي «يعتبر أنّ تحطيم المرأة يساعده على المحافظة على كبريائه وسلطته، وبالتالي يعتقد أنّ ضرب قدراتها وطاقاتها عن طريق عدم التكامل معها من دون إهانتها، يجعلها مطيّته في الحياة، موجودة لتلبية رغباته حريصة كلّ الحرص على إرضاء نزواته من دون أن يكون في المجتمع تفاعل عاطفي بينه وبينها، وهذا رائج جداً في الدول العربية».

كيف تتأثّر المرأة؟

تتأقلم بعض النساء مع قساوة الشريك وشحّ عاطفته، فتُمضي حياتها على قاعدة: هذا هو الموجود ويجب أن أتأقلم. وإذا كانت هذه الفئة قد عضّت على جرحها ورضخت للواقع الجاف، فإنّ الأخرى تحاول كسر قساوة شريكها على طريقتها.

هناك بعض النساء اللواتي يسعين لنَيل بعض الاهتمام والعاطفة من شريكهنّ، فيحاولن لفتَ نظره من خلال التذمّر الدائم أو كثرة انتقاد المشاعر الزوجية والوسائل المعتمدة في التواصل. وقد تتصادم المرأة معه وتواجهه بعدم اكتراثه لمشاعرها، ما يؤدّي أحياناً إلى انفجار في العلاقة. ولكن من الصعب أن تحرّرها المشاكل من سجن عدم اكتراثه، بل قد تزيد الأمور تعقيداً.

فمواجهة المرأة لشريكها بعنف والإضاءة على ما يزعجها في تصرّفاته، قد لا يكون له الأثر الجيّد، إذ يقابل مطالبها واتهاماتها ولومها بردّات فعل عكسية ونكايات. ففي معظم الأحيان يردّ بالنكايات من باب «لا تعترفين بشيء بعد كلّ الذي فعلته لأجلك». ويوضح د. خوري أنّ «الإنسان يغطّي ذنبه بالإنكار، ويبرّر الرجل ذنوبه مقتنعاً أنّ شريكته كانت ستتقبّله لو كانت فعلاً تحبّه، وبالتالي يتحوّل إلى كائن مشاعره قاسية».

وتتعب المرأة كثيراً من لامبالاة شريكها وعدم تعبيره وقسوته، خصوصاً أنها كائن عاطفي بحاجة إلى تبادل المشاعر. ويضجّ المجتمع بقصص الخيانة النسائية التي تقف وراءها أسباب عدّة، ومنها قسوة الزوج أو عدم طمأنة شريكته وإسعادها من خلال تعبيره عن حبّه لها.

ويشرح د. خوري أنّ «هناك فئة من النساء تُظهر لشريكها أنها تأقلمت مع الوضع ولكنها في المقابل «تفتح على حسابها» مع رجل آخر، وتعتبر أنّ ما يجري بينها وبين شريكها ثغرة يمكن أن يتسلّل منها أيّ إنسان آخر يغطّي هذه الحاجة الأساسية عند الأنثى».

هل يتنبّه الرجل إلى قساوته؟

ويشير الدكتور خوري لـ«الجمهورية» إلى نوعين من الرجال:
1 – النوع الذي يدرك أنه لا يعبّر وهو يريد ذلك، لأنّ عدم تعبيره عن حبّه لشريكته سلوك مقبول بالنسبة إليه.
2 – النوع الذي يدرك أنه لا يعبّر ويسعى الى تحسين الوضع، ولكنّه ينجح أحياناً ويفشل أحياناً أخرى.

الإهمال الجنسي

وينتج عن الرجل المهمل عاطفيّاً إهمال على صعيد العلاقة الجنسيّة، وربّما قسوة في التعامل مع شريكته. فيسعى إلى تحقيق رغباته في العلاقة الحميمة غير آبه بمشاعرها. ويصِل الأمر برجال كثر إلى إرساء العلاقة على قاعدة «الجنس عند حاجتي أنا وليس عند حاجتك أنت، وعندما أرغب أنا وليس عندما ترغبين أنت».

كما أنّ الإهمال العاطفي عند الرجل يتجلّى بعد العلاقة الجنسيّة مباشرة، فهو فور إشباع رغباته قد يدير لها ظهره وينام بدل الاهتمام بها ولَو لدقائق، أو قد ينصرف إلى مشاهدة التلفزيون أو الالتهاء بمواقع التواصل الاجتماعي عبر هاتفه… وهذه كلّها تصرّفات أنانية تجرح أحاسيس شريكته وتؤلمها».

ويسيطر الرجل على المرأة جنسيّاً من خلال قلّة تعبيره بالكلمات عن حبّه وإعجابه بها، فيدفعها إلى أن تصرف على شكلها الخارجي مبالغ طائلة في محاولة للَفت انتباهه وكسب إعجابه، وبهدف منافسة النساء الأخريات.

الرجل القاسي نتاج أخطاء المجتمع

تؤكّد الدكتورة في علم الإجتماع التربوي مي مارون لـ«الجمهورية» أنّ «المجتمع والأهل غالباً ما يُقنعون الصبي منذ صغره بأنّه أقوى من الفتاة وبأنه لا يجب أن يُظهر عواطفه وأن لا يبكي، بل يجب أن يكون بطلاً، فهو صيّاد وعسكري ويمثّل القوّة، بينما البكاء والعواطف من صفات الضعفاء». وتنقل عبارات يردّدها الأهل على مسامع الصبي الصغير، ومنها: «لا تجهش بالبكاء فأنت رجل والرجال لا يبكون».

وترى د. مارون أنّ «هذه التربية تجعل الرجل يخجل من التعبير عن عواطفه أو من إظهار حبّه بطريقة واضحة إلى الحبيبة». وتدعو المجتمع «إلى التنبّه للحدّ من هذه التربية الخاطئة، التي تحضّ الرجل على كبت مشاعره».

وتؤكّد أنّ «عواطف الإنسان لا تختلف بين الذكر والأنثى، إنما يُدرَّب الرجل على عدم كشفها منذ صغره عندما يحضّه محيطه إلى عدم البكاء حتّى لو سقط أرضاً وشعر بالألم».

المصدر:
الجمهورية

خبر عاجل