
ما رأيكم لو بادرنا معاً إلى جولة في المقرات الرسمية الأبرز، لندرك الحالة البائسة التي بلغتها دولتنا؟
القصر الجمهوري في بعبدا صرحٌ مترامٍ بناءً وحدائق وساحات وملحقات، لكنه يفتقد سيّده.
موظفون وعمّال وعسكر الحرس الجمهوري موجودون جميعاً ولكن.
غياب شخص واحد لا يعوّضه وجود المئات. إنه غياب رأس الدولة والساهر على الدستور، وأيُّ دستور هو الذي يتعرض يومياً للانتهاك، منذ نحو خمسمئة وثلاثين يوماً على الأقل، أي مدة الشغور في الرئاسة.
مقر المجلس النيابي وملحقاته أيضاً وايضاً أقرب إلى ديكور باهت في وسط العاصمة. فراغ في القاعة الرئيسية والردهات والمكاتب ينادي الفراغ في محيطه بعدما كان هذا المحيط يضج بالحركة والحياة قلباً نابضاً لبيروت.
لا جلسات لانتخاب رئيس، لا جلسات تشريعية، لا جلسات لمساءلة الحكومة ومحاسبتها. وحده حوار أعرج أعوج أكتع، مخلع مشلّع يَشغل إحدى القاعات ويبحث في مواصفات الرئيس والجميع يدرك أن القرار في مكان آخر.
وقد يطلع من يقترح غداً التركيز على مواصفات بذة فخامته الرسمية واللونِ المفضل للكرافات وما إذا كان مقبولاً أن يصبُغ شعره!
السراي الحكومي مبنى ضخم لكنه يعمل Part time. لا جلسات لمجلس الوزراء. اجتماعات لتصريف بعض الأعمال وحلحلة بعض العقد والتعقيدات السياسية النفسية لدى البعض لا أكثر.
وللتذكير، ثمة مقر رسمي معتمد لمجلس الوزراء في منطقة المتحف، لكنه يصوفر. علماً أن الدستور ينص على مقر خاص للمجلس. وإذا أريد تطبيق الدستور بحرفيته، فإن جلسات مجلس الوزراء كلَّها التي انعقدت في القصر الجمهوري أو في السراي غير دستورية.
هذه المشاهد الأربعة إن دلّت على شيء، فعلى حالة الانحلال التي تعيشها الدولة في ظل تغييب رئيس للجمهورية، وفي ظل انكفاء الحس الوطني لدى فئة تعتقد أنها تنفذ أجندة إلهية، باعتبار أنها حزب الخالق عز وجل، مع أن الخالق لم يكلّف خاطرها بتشكيل حزب باسمه، بل هي التي انتدبت نفسها بشهامة وفروسية كي تمثله على الأرض .
يبقى سؤال: لعلّ المشكلة كلّها، ونحن غافلون، أن ثمة من يريد رئيساً للجمهورية لا يعقد الكرافات لأنها من رجس الشيطان. خلّيها ببالكم . والسلام.