
يسهل عليه أن يروي قصص المعارك التي خاضها، فهو يؤمن أنها بطولات سطّرت ليبقى لبنان. لكن بصعوبة يمكن أن يتكلم عن نضال الأحد عشر عامًا لأنه يعتبر أن ما قام به عادي ونابع عن قناعة وإيمان، ولو كان بقسوة الحرب وجروحها… لكن سلامة الدكتور جعجع في المعتقل وضرورة أن يبقى الصوت القواتي عاليًا مهما كانت الضغوط لخنقه كانتا أبرز هموم زياد القزح طيلة 11 عامًا. عن حقبة من عمر نضاله في “القوات اللبنانية” يروي زياد محطات بدأت يوم إعتقال الحكيم بالذهول، وانتهت يوم صدور العفو عنه… بالشمبانيا.
كان ضابطًا في “القوات اللبنانية” برتبة ملازم عندما انتهت الحرب ودخلت “القوات” في مشروع بناء الدولة السيّدة الحرّة. خلع البزّة العسكرية وسلّم سلاحه مع المؤسسة التي إختارها لمستقبله عندما سلّمت سلاحها وانخرطت في الحياة المدنية كحزب سياسي. زياد القزح من الشباب الذين نزلوا من دير الأحمر التي كانت تنوء تحت الاحتلال السوري الى بيروت لإكمال تعليمهم، ومن المدرسة الثانوية الى الجامعة الى معهد الضباط في غوسطا وهب زياد مستقبله للمقاومة اللبنانية مثل نحو 80 ضابطًا من شباب الدير الذين تخرّجوا من المعهد نفسه وتكودروا للدفاع عن لبنان.
انتهت الحرب، لكن التزامه لم ينته، فبقي الى جانب الدكتور جعجع في إطار مجموعة من الشباب آلت على نفسها مهمة حماية الحكيم، الى أن كان يوم الإعتقال. يروي زياد: “كنت في غدراس وكان الجميع في أجواء إمكان استدعاء الحكيم للتحقيق معه في قضية تفجير الكنيسة بعد قرار حلّ حزب “القوات اللبنانية” واعتقال عدد كبير من شباب “القوات” وفي ظل التشنّج الذي كان يسيطر يومها من قبل سلطة الوصاية السورية عقب رفض الدكتور جعجع الخضوع والانضمام الى قافلة الخاضعين للاحتلال. وكان الحكيم قد أعلمنا أنه في حال تم التوقيف فلن يكون لمدة طويلة، لذا طلب منا الانضباط وعدم المقاومة، لا بل تسهيل مهمة الجيش.
عندما وصلت قوة الجيش الى غدراس طلب مني الحكيم ان أستقبل العقيد جان سلوم وكان يومها على رأس القوة المولجة مهمة التوقيف. خرجت الى الباحة الخارجية للمبنى حين وصلت آلية الجيش اللبناني، ترجل منها سلوم وسألني عن مكان الدكتور جعجع طالبًا إصطحابه اليه وتبليغ الشباب بجمع السلاح في مكان واحد لأن الجيش سيتسلّم المبنى بعد خروج الدكتور جعجع منه فورًا.
حينها وقعتُ تحت الصدمة وحاولت استمهاله الى ان أستوعب ماذا يجري. لكنني وجدت نفسي مرغمًا على مرافقته الى مبنى القيادة فدخل برفقة أحد الضباط المولجين حماية القائد.
بعد دقائق كأنها دهر، خرج الدكتور جعجع مع سلوم حاملًا حقيبة صغيرة والسيدة ستريدا الى جانبه. لا أنسى تلك اللحظة. نظر إلينا جميعًا وقال “لا تخافوا، لن تطول العملية”.
أقفل الباب الحديدي للمبنى وساد جو من الذهول ولم نعد نستوعب ما يجري. كل ما أذكره أن الرفيق رفيق الزين راح يلطم رأسه بالحائط ويصرخ… وستريدا تحاول تهدئته.
بعدها جمعنا السلاح وأخذه الجيش ومن ثم نُقلنا بالآليات الى مبنى المدفعية في أدونيس. هناك حمل كل منا رقمًا ووقف لأخذ “الصورة التذكارية”، تمامًا كالمجرمين!
المحطة الثانية كانت عندما نقلنا أنا ومجموعة من الشباب الى مبنى المكافحة قرب وزارة الدفاع، وهناك بدأ التحقيق معي. كانت جولة التحقيق تدوم ساعتين واحيانًا ثلاث ساعات… دائماً معصوب العينين، ومع كل سؤال جولة جديدة من الضرب المبرح. بقيت على هذه الحالة طيلة عشرة ايام تقريباً والتحقيق جار معي على أمل إثبات تهمة ما في حقي. وبما أنني كنت طالبًا في كلية الحقوق الفرع الثاني في جل الديب حاولوا الصاق تهمة مقتل المونسينيور خريش بي لأنه كان يعلم في الكلية نفسها. وراحوا يضغطون علي ويكرّرون أن رفاقي اعترفوا بالجريمة وووشوا بي… إلا أنهم واجهوا صعوبة في المضي بالكذبة والترهيب والتزوير لأنني في تاريخ الجريمة كنت لا أزال في سن الثانية عشرة وأدرس في دير الأحمر، فباءت محاولتهم بالفشل.
في هذا الوقت كان والدي قد لجأ الى نادر سكر الذي توسّط مع غازي كنعان للإفراج عني. وهكذا في غضون أيام لفلفوا ملفي وقال لي الضابط الذي يحقق معي “لا تواخزنا ورد إسمك بالغلط” وأفرجوا عني. لدى خروجي من مبنى المكافحة في الآلية العسكرية نظر الي أحد العناصر وقال للضابط: “بخلّص عليه سيدنا؟” والحقد يعمي قلبه وبصره، فرد الضابط: “اتركو” وأنزلوني على مستديرة الصالومي.
فقدنا التواصل مع ستريدا فترة، الى أن طلبتنا لنكون الى جانبها من ضمن ما سمي لاحقًا مجموعة يسوع الملك. في هذه الأثناء كنا نستدعى الى التحقيق بين الحين والآخر لتخويفنا وترهيبنا فطُلبت أكثر من مرة الى ثكنة أبلح لأنني من الدير وكل مرة كنا نوقع تعهدًا بوقف النشاط السياسي لنعود فورًا لنكمل عملنا بشكل عادي الى جانب ستريدا في انتظار خروج الدكتور جعجع من السجن.
كنا عند كل استحقاق نشكل خلايا عمل ونجتمع كل مرة في بيت وخارج دير الأحمر بالطبع لأن المخابرات كانت تراقبنا، وأي نشاط قواتي تحت الاحتلال السوري كان سيضرّ بأهلنا فوق خصوصًا قبل الإستحقاقات الانتخابية حيث كان ينشط ضغط الزعماء الاقطاعيين في المنطقة لإبعادنا عن الدير لأننا كنا نشكّل كتلة انتخابية ضخمة ولأن كل الدير”قوات”. كل ما كان بالإمكان أن نفعله هو كتابة الشعارات القواتية على الحيطان أثناء الليل. ما كان بامكانهم أن يقمعوا جموح ثورتنا على الاحتلال السوري لأرضنا. لولا هذه القناعة وهذا الإيمان ما كنا دخلنا الى “القوات اللبنانية” وحاربنا الإحتلال تحت رايتها! كل منا كان يضع دمه على كفه لا ليتقاضى راتباً في نهاية الشهر، ففي كل لحظة كل منا كان مشروع شهيد في سبيل تحرير الأرض وكي يبقى لبنان لأولادنا لا لأن لنا مصلحة خاصة.
بعد دخول الحكيم الى السجن، كل الناس ومن دون إستثناء وحتى أهلنا، كانوا يقولون لنا إنسوا “القوات” صارت من التاريخ، ومع ذلك كنا لا نترك مناسبة إلا ونثبت بالأعلام والصور والشعارات التي كنا نهربها بطرقنا أن “القوات” حيّة وفي دير الأحمر تحديداً، وأن الدكتور جعجع قائد لا يُسكته السجن ولا يلغيه إعتقال. في مراحل الضغط القوي كانت القاعدة القواتية تفلت وكل يعبّر على طريقته، فهناك من كان يلصق الصور على الحيطان ومن يكتب الشعارات أو يعلّق الأعلام… وتبدأ بعدها عمليات الإستدعاء الى التحقيق ويرتفع منسوب التنيكل بالشباب. وفي إحدى المرات وعلى أثر نشاط من هذا النوع طلبوني الى ثكنة أبلح ودامت البهدلة والضغط النفسي والضرب والتحقيق طيلة 14 ساعة”.
طيلة 11 عامًا بقي زياد من ضمن الحلقة المصغّرة التي لم تترك بيت الحكيم في يسوع الملك، ولم تمرّ مناسبة أو قداس للشهداء إلا وساهم في إنجاحها مهما كانت العواقب. الأهم كان أن يتظهّر الحدث للإعلام للتذكير أن قضية “القوات” لا تموت وأن يبقى بعيدًا من الصورة ليحافظ على حرية حركته وفاعلية نشاطه السري. يقول هنا “إذا كمشونا كلنا مين بيضل حد ستريدا”؟
ويتابع “عندما صدر قرار العفو في جلسة مجلس النواب عن الدكتور جعجع كنا في البيت في يسوع الملك منذ الصباح، وعندما شعرت أن العفو بات أكيدًا خرجت واشتريت زجاجات شمبانيا وأسهماً نارية، وعندما وصلت ستريدا على الحاجز “الفوقاني” قبل البيت بدأت باشعال الأسهم النارية وفتح الشمبانيا… “فشيت خلقي” وسمحت لنفسي بأن أتصرف من دون علمها، لكن كان يجب أن نحتفل”.

ليس كل ما مرّ على زياد طيلة 11 عامًا يمكن أن يبوح به، لكن الأكيد أن ما فعله كان نتيجة إيمانه بخط “القوات اللبنانية” وبقائدها، ومن كان له إيمان مقدار حبة خردل فانه قادر أن يقول للجبل إنتقل فينتقل، وهو مع كثر من الرفاق قالوا لجبل الاحتلال والوصاية والظلم والسجن انتقل… فكانت الحرية.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.