#adsense

إفتتاحية “المسيرة”: “القوات”: حرب على المخدرات والتخدير  دفاعاً عن الوطن الحلم

حجم الخط

افتتاحية “المسيرة”: العدد 1533 

لماذا تخوض “القوات اللبنانية” حربًا ضد المخدرات؟ يسأل البعض ويضيف: “ألم يعد هناك قضايا أهم بالنسبة إليها؟ وهل هذا هو وقت المخدرات بينما لبنان يغرق بالنفايات، ورئاسة الجمهورية فارغة والحكومة مشلولة ومجلس النواب لا يجتمع وطاولة الحوار لا تنتج والمنطقة تشتعل؟ ألم يعد يهم سمير جعجع إلا أن ينخرط شخصيًا في هذه المعركة بدل أن يتصدى للقضايا الأكبر التي تهدد مصير لبنان”؟

ولكن هل “القوات” غائبة فعلاً عن معارك القضايا الكبرى؟ أم هي في قلب هذه المعارك؟ وهل من يهتم بالحرب ضد المخدرات يتخلف عن الحرب ضد كل أنواع التخدير السياسي؟

ليس حادث المعاملتين ليل الإثنين 2 تشرين الثاني الحالي إلا دليلاً على أهمية المعركة التي تخوضها “القوات” ضد المخدرات. وهي معركة لا تتعلق بالإدمان وحده بل بكل المراحل التي تمر بها من الزراعة إلى الصناعة والترويج وصولاً إلى المتهمين والفارين من وجه العدالة والمحاكمات أمام القضاء ولا يأتي المدمنون إلا في المرتبة الأخيرة.

ماذا كان يفعل مهدي زعيتر مع أحمد عمار في المعاملتين؟ وهل من الجائز أن يتحركا بهذه السهولة مع أسلحة فردية على رغم بلاغات البحث والتحري الصادرة في حقهما باعتبار أنهما من أصحاب السوابق في عالم المخدرات وأن والد زعيتر ملقب بالقائد لدوره في عالم تجارة المخدرات وترويجها؟ ولو كانت السلطات الأمنية متابعة لأعمالها هل كان حصل الحادث الذي سقط فيه ثمانية قتلى بينهم شهيدان للجيش؟ وهل كان قدر العسكريين مارون خوري وميشال الرحباوي أن يسقطا بهذه الطريقة؟

ليست معركة “القوات” ضد المخدرات جديدة. “القوات” في أساسها وتنظيمها لم تكن قوة عسكرية فقط. كانت قوة من أجل بناء مجتمع ودفاعاً عن وطن شكل دائماً حلماً لها وللبنانيين. وحتى في عز الحرب لم تتخلف “القوات” عن هذه المواجهة وكانت تدرك أنها لا يمكنها أن تربح الحرب العسكرية إذا خسرت المجتمع. وانطلاقاً من هذه القاعدة اهتمت منذ بداية الحرب في العام 1975 ببناء هذا المجتمع الذي كانت تعيش فيه من أجل أن يكون صورة عن المجتمع اللبناني كله. ولذلك عملت على إعطاء دور أساسي للمجتمع المدني والهيئات الشعبية وكانت سباقة إلى بناء المؤسسات والمشاريع السكنية وإجراء عمليات القلب المفتوح وتنظيم الأمن ومكافحة الجريمة ورعاية المشاريع الإقتصادية.

لقد اهتمت “القوات” بالمجتمع كما اهتمامها بالمقاومة. كانت تدرك منذ بداية الحرب أن هناك من يريد تدمير صورة لبنان الحلم وأن عليها أن تمنع ذلك. وكانت تدرك أن حرب التخدير السياسي أخطر من حرب المخدرات ولذلك كانت حربها ولا تزال ضد المخدرات وضد التخدير.

قبل العام 1975 كان لبنان الوطن الحلم وكان عن حق سويسرا الشرق الأوسط. باسم الدفاع عن القضية الفلسطينية وإسقاط الإمتيازات المارونية جرت محاولة هدم الدولة والنظام والحلم. ولذلك كانت “القوات” للدفاع عن ذلك الوطن الحلم ضد الأحلام المجنونة. لم تكن تلك الإمتيازات للموارنة أو للمسيحيين بل كانت للبنان ولكل اللبنانيين. لم يصنع المسيحيون وطناً على قياسهم. من بشارة الخوري إلى كميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو وسليمان فرنجية كانت الدولة هي الأساس. الدولة التي شكلت ملجأ للجميع وربما كان الخطأ المميت أن هذا الوطن بقي مشرعاً من دون إدراك الأخطار التي يمكن أن تتهدده. حتى في أيام الإنتداب الفرنسي كانت الدولة حلماَ. معظم معالم هذه الدولة بنيت أيام الإنتداب. ومعظم المؤسسات والمشاريع قامت في العهود الرئاسية الأولى. النهضة العمرانية كانت مع كميل شمعون والنهضة المؤسساتية كانت مع فؤاد شهاب. الرئيس بشارة الخوري سقط من دون نقطة دم واحدة. فؤاد شهاب قائد الجيش ترأس حكومة انتقالية وسلم السلطة للرئيس الجديد خلال أيام. لم يتخلف النواب عن الحضور ولم يتم تعطيل النصاب مع أن الأكثرية النيابية كانت موالية للرئيس المستقيل. كان الوعي الوطني أكبر وكانت المسؤولية أكبر. كان الجيش قليل العدد ولكن الأمن كان مستتباً. كان القضاة أقل ولكن المحاكم كانت تعمل. كانت الخلافات السياسية قوية ولكنها كانت تقف عند حدود احترام حدود الدولة.

الذين عملوا على هدم هذه الدولة لم يكن لديهم البديل ولم يقدموا إلا الفوضى. دواعش كثيرة مرت على لبنان محاولة تغيير نظامه ودائماَ كانت “القوات” ضد هؤلاء. اليوم يحاول البعض أن يجعل من لبنان وطنا مستحيلاً.

في بداية الحرب كانت عمليات التخدير السياسي تتم على قاعدة أن لا بندقية فوق بندقية الثورة الفلسطينية وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة وعندما وقفت “القوات” ضد محاولة السيطرة على لبنان اتهمت بأنها تريد التقسيم. اليوم بعد أربعين عامًا لا تزال “القوات” من الأكثر حرصاَ على وحدة لبنان.

بعد خروج الثورة الفلسطينية من لبنان صار التخدير السياسي يتم على قاعدة وحدة المسار والمصير بين لبنان وسوريا وأن اللبنانيين والسوريين شعب واحد في دولتين. وأيضا كانت “القوات اللبنانية” في المواجهة ضد محاولة تتبيع لبنان إلى سوريا ونظام حافظ الأسد مدركة أن هذا الوطن الذي رسمت حدوده في العام 1920 ينتهي عندما يفقد امتيازاته وأنها إذا لم تتولّ مهمة الحفاظ على هذه الإمتيازات حتى في المناطق التي بقيت في ظل حمايتها فإن لبنان لا يمكن أن يكون إلا محافظة إضافية على المحافظات السورية.

في خلال عهد الوصاية بعد العام 1990 برزت شعارات تخدير جديدة مع بروز دور “حزب الله”. كانت شعارات تحرير لبنان من الإحتلال الإسرائيلي هي الغطاء. بعد انسحاب إسرائيل في العام 2000 صار الشعار يتعلق بمزارع شبعا. ولتأمين الغطاء لسلاح “حزب الله” بدأ شعار ثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة”.

كان من الطبيعي أن تجد “القوات” نفسها في المحور المقابل. كما رفضت أن يكون لبنان تابعاَ لسوريا رفضت أن يكون تابعاً لإيران ووقفت ضد استبدال شعار شعب واحد في دولتين بشعار شعب واحد في ثلاثة دول. ولذلك كانت أيضاً في المواجهة التي تولد منها شعار الحرية والسيادة والإستقلال من أجل استعادة الوطن الذي حاولوا دائماً إلغاءه ومحوه من الخارطة ومن أجل التحرر من ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة لأن لا قيامة للدولة إذا بقي سلاح “حزب الله” فوق سلاح الدولة وإذا بقيت خيارات “حزب الله” تتقدم على خيارات الدولة وإذا بقيت حروب “حزب الله” تأسر الدولة والنظام وإذا استمرت دولة المخدرات تحيا في كنف دويلة “حزب الله”.

من أجل ذلك كانت حرب “القوات” ضد كل أنواع المخدرات السياسية وغير السياسية. ولذلك رفضت “القوات” المشاركة في الحكومة وامتنعت عن الذهاب إلى طاولة الحوار لأنها ترفض أن تكون هذه الطاولة بديلاً عن المؤسسات ولأنها تعتبر أن دولة المؤسسات تبدأ من رئاسة الجمهورية وأن الميثاقية أولها المشاركة في جلسات انتخاب الرئيس وعدم المقاطعة وأن الإنتظام العام يفرض أن تجتمع الحكومة لتقرر حل مسألة النفايات وأنه لو كانت هناك “دولة” لما كانت الحكومة تقف عاجزة أمام هذه الأزمة. من أجل هذه ال”دولة” تعمل “القوات”. من أجل أن يكون النظام أولاً ولبنان أولاً والجيش أولاً والمؤسسات أولاً. ومن أجل أن يبقى لبنان الوطن الحلم لا الوطن المستحيل. وطناً لا يستشهد جنوده على يد مهربي المخدرات ومروجيها.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل