
أطلق دولة الرئيس نبيه برّي هذا الشعار ولاقاه البعض كذريعة ناجعة للتبرؤ من إلتزامات وموجبات الشراكة، نحن لا نريد وليس من عاداتنا الضرب على وتر التعايش ونحن أصحاب شعار “الإنسجام الوطني” ولكن لا بدّ من الإضاءة على الثوابت والأصول في التعاطي الوطني بين المكوّنات السياسية اللبنانية.
بعد إتفاق الطائف والأحداث التي تَلَته في العام 1990 والشوائب التي اعترت تنفيذه واعترفت فيها جميع القوى السياسية بعد زوال الإحتلال كان قرار مقاطعة الإنتخابات النيابية شاملاً على الصعيد المسيحي وأيّده وتفهّمه الشارع الآخر، فكانت النتيجة أنّ تمّ تجاوز هذا الإجماع وحصلت إنتخابات نيابية بنسبة مشاركة أقلّ من متواضعة 13% ما يعني إجماعاً وطنياً شعبياً على أحقية المقاطعة.
هذا الحدث الوطني لم يكن عابراً، وقد تسبّب بالقلق للنظام المشترك السوري-اللبناني الذي كانت تعمل الوصاية على بلورته بعد إستفراد النظام السوري بالوطن اللبناني المُنهَك والمنهمك بإزالة آثار الحروب. قبل العام 1992 مارس نظام الوصاية أسلوب الترغيب مع المسيحيين وبعده إنتقل إلى نهج الترهيب، ولكن هذان الأسلوب والنهج لم ينجحا في فرض حق القوة على قوة الحق، فحيكت المؤامرات في الغرف السوداء وصولاً إلى العام 1994 فكان تفجير كنيسة سيدة النجاة في شباط، حلّ حزب “القوات اللبنانية” في أذار وإعتقال قائدها الدكتور سمير جعجع في نيسان واضطهاد كل سيادي في السنوات العجاف اللاحقة حتى أتى ربيع لبنان مع إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري للأسف.
هذا النموذج في التعاطي ما زال سارياً مع مفعول رجعي للتهرّب من الموجبات الوطنية، عندما يطرح المسيحيون قانون إستعادة الجنسية فهم لا يحصرونه بطائفة أو فئة سياسية معينة بل بجميع اللبنانيين المنتشرين، كذلك الأمر، عندما يطالب المسيحيون بقانون إنتخابات فهم يضعونه في المصلحة الوطنية المبنية على الشراكة، بمعزل عن ماهية القانون وتقسيماته والنسبية والأكثرية، وهذا بحث آخر، يأتي الرفض لتكريس المحادل الحالية التي أوصلت الدولة إلى الشلل التام والعجز عن إيجاد الحلول لأبسط الأزمات، النفايات مثلاً، بالإضافة إلى الأزمات التي لا تُعدّ ولا نُحسَد عليها.
إنّ إستغلال التشبّث المسيحي بالشراكة والإنسجام الوطني ليس من موجبات العيش المشترك، إنّ الخوف من التغيير هو نتيجة عقدة نقص ونقص في العقيدة اللبنانية، الطرح الذي يقول بإتفاق المسيحيين ونحن نسير بما يتفقون عليه (في رأس قائمة هذه الذريعة موضوع إنتخاب رئيس للجمهورية) هو ذرّ للغبار في وجه الخيار المسيحي غير المرتهن سوى لمصلحة لبنان والكيان، الميثاقية لا تكون بالإغراء كما حصل عند التمديد للقوات اللبنانية عبر الوعد بإقرار قانون جديد للإنتخابات أيّاً يكن خلال مهلة شهر، كما يحصل اليوم بإغراء هذا الطرف أو ذاك من المسيحيين لتأمين ميثاقية عقد جلسات تشريع الضرورة.
إنّ هذا الكلام يجب عدم إعتباره طائفياً أو فئوياً ضيقاً، ويجب عدم حصره بما يجري طرحه اليوم، بل هو كلام ينطبق على جميع اللبنانيين في كافة الظروف، اليوم المسيحيون، بالأمس كان غيرهم وغداً آخرون، لبنان يكون بخير عندما يكون الجميع بخير، الميثاقية لا يُمكن أنّ تستوي مع الإستفراد أيّاً كان مصدره ووجهته.
