#adsense

بالصور: عندما تُسدل الستارة على شرفات بيروت

حجم الخط

تقديم وتصوير نبيل اسماعيل

لم تكن شرفات الأبنية ذات الفخامة الهندسية القديمة في بيروت، بنوافذها وقناطرها المزخرفة بأرقى أنواع الخشب وجمال أناقتها، فسحات للإطلالة على الفضاء الخارجي فقط، بل صنُعت في تكوينها الهندسي الرحب، لتكون إطلالة للناس من الخارج على الداخل شبابيك لمحاكاة الضوء والهواء، ولحوار صامت مع صباحيات الفضاء الأزرق.

شرفات كهذه بالأسلوب الذي صُممت به، منذ أن اكتشف الإنسان أهميتها في حياته اليومية كنافذة له على المحيط الخارجي، شرفات أيام زمان لم تكن كحال مثيلاتها في الأبنية المشيّدة اليوم، مجالاً لتنفيس الاحتقان الناتج من تقليص مساحات الغرف وضغطها وتوزيعها في الحد الأدنى المتاح لها. بل كانت شرفات ذلك الزمان امتداداً فعلياً لرحابة الداخل ومساحة لحرية العين في الفضاء الواسع وتعبيراً في الوقت عينه عن الانسجام بين المقيمين والمنزل في إطار من السكينة والراحة.

شرفات بيروت أيام زمان رحلت أو رُحّلت مع انقضاء زمانها. والشرفات بزوال المفهوم القديم للشارع والزاروب والحي والجيرة، تحوّلت إلى مطلات عابرة مؤقتة وصغيرة واستبدلت نتيجة «الحداثة» بنوافذ زجاجية مقفلة من نسيج الأماكن الضيقة. حيث كانت في ما مضى بنوافذها الواسعة وأبوابها الرحبة وقناطرها الأنيقة.

شرفات ذلك الزمان تركناها تموت ببطء وحيدة معزولة.. كأننا ننتقم منها.. ولعلنا ننتقم من أنفسنا. لم يعد تراثنا العمراني الفريد من نوعه محط أنظارنا واهتمامنا، وكأننا أصبحنا نستحي منه، ولعلنا لم نريده مساحات واسعة من مشهدية كانت تشعرنا بالحياة والفرح.. لأننا استسلمنا للزحف الزجاجي العمراني الباطوني المعلب.. استسلاماً كاملاً.. وبدون إكراه نفضنا أيدينا من هذا التراث الجميل وتنازلنا عنه طوعياً فأصبح يلفظ أنفاسه من دون شفقة منّا أو رحمة.

شرفات بيروت الأثرية هذه الأيام تموت حزينة بوحدتها المنسية ما خلا زيارات تقوم بها طيور اليمام لتستريح على أنقاض شبابيكها كي تستأنس بالفراغ المزمن على الشرفات وبعض الضوء الذي يأتي كل صباح ليحادثها سراً عن زمن كانت فيه هي الملكة.

تراثنا العمراني انقرض أو يوشك أن ينقرض. بيروت مدينة تباهت طويلاً بفرادتها وأناقتها الهندسية.. حيث كانت مثالاً على فخامة العمارة وبساطتها في آن وجمال مشهديتها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل