كنا هناك – جورج الزوقي: “قالوا لوالدتي روحي شوفي ابنك بأيَ براد حاطينو”

هو ابن الأشرفية. ولد في عائلة مقاومين تشرّبت الشجاعة من جذورها الزحلاوية، حمل والده السلاح دفاعاً عن لبنان وعن الوجود المسيحي فيه، فأورث أولاده القضية. وتربّى في أجواء كتائبية ما دفعه للانضمام إلى حزب “الكتائب” في البداية، ثم انتقل إلى صفوف “القوّات اللبنانية” حيث رسم حياة مقاوم أبى الاستسلام على رغم كل ما مرّ به. إنه جورج الزوقي الذي يروي سيرة مقاوم على الجبهات.

كان أبو جورج مقاتلاً شجاعًا ولم يتوانَ عن تشجيع أولاده على حمل السلاح والقتال، ما دفع ابنه جورج للانضمام إلى أشبال “الكتائب” عند بلوغه سن الخامسة عشرة. ولكنه سرعان ما انتقل الى المرحلة التالية. يقول: “انخرطت في صفوف المقاتلين عندما بلغت الـ 17 من عمري للدفاع خصوصًا عن قضية الوجود المسيحي وكنت لا أزال تلميذاً على مقاعد الدراسة.

أصيب والد جورج مرتين خلال الحرب، الإصابة الأولى حصلت خلال معركة الكرنتينا في كانون الثاني العام 1976 أما الثانية فحصلت خلال معركة الأسواق في بيروت. يؤكّد جورج: “هذا كان أحد الأسباب التي منعته من الاستمرار بتشجيعي على القتال. بسبب خوفه علي ما عاد يريدني أن أحارب لكنني بقيت مصرًا على لعب دور المقاتل فحملت البارودة أوّل مرّة في حرب الطت100 يوم”.

ويروي جورج: “عند وقوع حرب الـ100 يوم عام 1978 في الأشرفية قرّرت النزول إلى ساحات المعارك وقلت لوالدي “رح حارب عنك” وكان في حينه مصاباً إصابة خطيرة، وبسبب رفض أهلي وبشدّة مشاركتي في الحرب سرقت بزة والدي وسلاحه وهربت من المنزل. كنت وقتها صغيراً في السنّ، لا أملك الخبرة الكافية فكانوا يكلفونني بمهمّات لوجستية في بيت “الكتائب” في الرميل، فكنت أوزّع الطعام على الشباب، وأنظّف الأسلحة، وأوزّع الوقود، وأقوم بأعمال سهلة”.

لطالما خرج جورج من منزله أنيقاً حتى عندما كان يتوجّه إلى الثكنة، “في أحد الأيام خلال حرب الأسواق وصل بشير الجميّل إلى ثكنتنا من دون مرافقين وكان معه صحافيون أجانب أرادو أخذ صورة له أمام المباني المدمّرة لنشرها مع المقال. طلب بشير من آمر الثكنة أن ينده لأحد الشباب ليتصوّر معه في البزة العسكرية، فأرسل آمر الثكنة بطلبي وأخبرني بأنه سيتمّ تصويري مع الباش، كنت أحمل الـM16  وأرتدي البزة العسكرية، كانت معنوياتي عالية، لم أصدّق وقتها أنني حقّاً أتصوّر مع القائد، طرت من الفرح عندما رأيت الباش وسلّم عليّ”.

استمرّ جورج بالتردد إلى بيت “الكتائب” يومياً وكان يقوم بتمرينات على القتال وفي العام 1981 انضمّ إلى الشرطة العسكرية، “كنت من الأشخاص الذين ساهموا في تأسيس الشرطة العسكرية فخدمت لمدة عام. وفي أحد الأيام أرسلنا الشيخ بشير الجميّل إلى ثكنة القطّارة للمساعدة على ضبط الأمن في احتفالات عيد السيّدة، قضيت ليلة في الثكنة حيث تعرّفت  شخصياً إلى الدكتور سمير جعجع، بعدها انتقلت لأكون عضواً في ثكنة الأشرفية”.

انضم جورج إلى “القوّات اللبنانية” فور تأسيسها “دخلت فرقة المشاة حيث قاتلت في عدّة جبهات منها بيبلوس – كارينا، الدامور، جزين، سوق الغرب، عبيه وتلّة الروس”.

في العام 1983 وقعت معركة فندق حجّار بين  اللواء الثامن في الجيش اللبناني بقيادة ميشال عون والقوى المعادية، بعد انسحاب الجيش اللبناني تدخّلت “القوّات اللبنانية” بهدف استرداد الفندق وتولت وحدات عدة ومجموعات مقاتلة المهمة، من ضمنها “سرية مفوضية بيروت” التي كان جورج عضواً فيها. عن هذه المعركة يقول جورج: “قمنا بهجوم معاكس ودخلت السرية إلى الفندق ثم تبعتنا الشرطة العسكرية واستمرّت المعركة حوالى الـ4 ساعات. كانت المعركة نموذجًا عن قتال شوارع بين البيوت، وكان الرفيق طوني رحيّم في طليعة المجموعة المهاجمة وعند اقترابنا من الفندق كان احد المسلحين يقف عند الباب، أطلق النار علينا فأصاب طوني الذي أمرنا وهو يقع على الأرض أن نطلق النار عليهم وألّا نتوقّف، ثم استشهد. ردينا بالمثل فقُتل الشاب المسلح ووقعت المعركة داخل الفندق”.

ويضيف: “عند انتهاء المعركة استردينا الفندق، ولم تمرّ دقائق حتى اتصلت بنا القيادة وطلبت منا التوجّه فوراً إلى بيروت من أجل مهمّة ثانية، كان المطلوب منا المشاركة بمعركة الجبل، توجّهنا إلى المنطقة بحراً وعند وصولنا إلى شاطئ الجيّة أقمنا خطّ انتشار ثم صعدنا إلى ثكنة المشرف. بقينا في الثكنة 24 ساعة، وكي لا نبقى مكتوفي الأيدي حملنا الهواوين والصواريخ على ظهورنا وساعدنا الشباب بنقل المدافع والقذائف”.

مرّت على جورج أيام صعبة جدّاً بعيداً من المنزل لا أحد من عائلته يعرف عنه شيئاً. “عند طلوع الضوء في ذلك اليوم طلبوا منا التوجّه إلى عبيه حيث خضنا معركة استمرّت يوماً كاملاً لكننا ربحناها في الأخير. خلال هذه المعركة كنت أقاتل على رأس التلّة، انكشفنا للطرف الآخر فرمونا بالقذائف، نزلت فصيلتي إلى داخل البلدة للإحتماء من النيران فأصبحنا ما بين شبابنا من جهة والمسلحين من جهة أخرى، وأضحت الرصاصات تصيبنا من الجهتين ولم يعرف الشباب في حينه أنهم كانوا يقصفون علينا. رحت أصرخ بصوت عالٍ وكان صراخي يمتزج بصوت الرصاص المنهمر من كل الجهات، فسمع الرفاق وعرفوه. فأوقفوا إطلاق النار علينا. عند انتهاء معركة عبيه كان من المفروض أن ننسحب ونذهب لنرتاح لكن القيادة اتصلت بمارون غنّام وطلبت منه أن تتسلم السرية معركة تلّة الروس بدلا من المغاوير. فامتثلنا على رغم التعب والجوع والعطش، إذ كنا نخوض المعركة تلو الأخرى من دون أن نرتاح”.

ويتابع: “أصيب عناصر المغاوير في تلك المعركة فأُجبرنا على تسلم الجبهة حيث واجهنا جهنم، كنا نحارب الفلسطينيين والسوريين على مسافة 35 مترًا فقط من دون متاريس ما أجبرنا على التنقّل زحفاً على الأرض. في تلك المعركة شعرت بأنني ألامس الموت مرّات عدة، كنا نشعر بالجوع وما من أحد استطاع الوصول إلينا لمدّنا بالمواد الغذائية فأكلنا بقايا الخبز والفاكهة الموجودة في النفايات. كانت معركة قاسية جدّاً لدرجة أنني ما عدت أستطيع استعمال يديَّ لتلقيم السلاح فاتفقت مع الرفيق بشير هيكل على أن يقوم هو بتلقيم السلاح وأنا أطلق النار ثم نعكس الأدوار لكي نخفف التعب. دامت هذه المعركة يومين من دون نوم أو أكل أو شرب أو استراحة. خسرنا التلّة في الساعات الأخيرة ولكن مارون غنّام رفض الاستسلام فركض أمامنا ليردّ الهجوم ولحقنا به وقمنا بهجوم مضاد، لا أعرف كيف حصلت على تلك القوّة، استشرس الشباب ورحنا نطلق النار باتجاههم فاستردينا التلّة وربحنا المعركة”.

بعد أيام عدة من المعارك المتواصلة كانت العودة إلى المنزل مؤثّرة جدّاً بالنسبة لوالدة جورج: “من المعروف عن والدتي أنها امرأة جبّارة وقويّة جدّاً ولكن غيابي عن المنزل لأيام عدة أخافها خصوصًا أنه سقط الكثير من شبابنا في تلك المعارك فكان الجيران يقولون لها “روحي شوفي أبنك بأيَ براد حاطينو”. عندما رأتني خرجت مهرولة، حافية القدمين، وانهمرت الدموع على خدّيها وضمتني بشدّة وكأنها لم تصدّق عينيها”.

عن إصابته يخبر جورج: “خلال العام 1984 وقعت معركة في إقليم الخروب كنت جالساً على حافة مهوار أحمل العتاد على ظهري وكان ثقيلاً، أردت أن أحتمي من الرصاص، وقعت عن الحافة واصطدمت بصخرة فكسر العتاد إحدى عظام ظهري”.

استمرّ جورج بالقتال في صفوف “القوّات اللبنانية” حتى حرب الإلغاء، “حاولوا إلغاءنا لكنهم فشلوا والدليل على ذلك أننا موجودون وفاعلون سياسياً واجتماعياً. عندما بدأ الجيش اللبناني بمداهمة البيوت في الأشرفية وتوقيف الشباب للتحقيق معهم اضطررت إلى إتلاف كل ما يتعلّق بالحرب وهذا شيء قهرني جدّاً”.

يؤكّد جورج أنه لم يندم يوماً على مشاركته في الحرب وهو مستعدٌّ لحمل السلاح والعودة إلى ساحات القتال بقناعة أكبر إذا وقعت الحرب مجدّداً.

لطالما تمتع جورج بموهبة الرسم فبعد انتهاء الحرب عمل في ديكور المنازل، تزوّج في العام 1993 وأصبح لديه ولدان وهو الآن عضو فاعل في مكتب حارة المير في الزوق.

* لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل