#adsense

إفتتاحية “المسيرة” – يوم القرار: القصة الكاملة

حجم الخط

إفتتاحية “المسيرة”: العدد 1534

لم تبدأ قصة يوم القرار المسيحي مع تحديد موعد جلسة تشريع الضرورة في يوم الخميس 12 تشرين الثاني الحالي. ولم تبدأ مع تحديد جدول أعمالها ورفض إدراج مشروع قانون الإنتخابات النيابية عليه. ولا هي بدأت مع إعلان النوايا بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” في 2 حزيران الماضي يوم اللقاء بين الدكتور سمير جعجع والعماد ميشال عون في الرابية. وهي لم تنتهِ بانتهاء اللقاء كما تمنى البعض ولا بعده في محطات شكلت نقاط اختبار ومتابعة. ولن تنتهي طبعاً بانتهاء موضوع الجلسة التشريعية. فالتوافق بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” أثبت أنه ليس مجرد حبر على ورق وأنه أقوى من أن تهزه أزمات صغيرة ليس بحثاً عن اصطفاف طائفي جديد بل بحثاً عن تثبيت مرجعية القرارات المتعلقة بالثوابت المسيحية وبالتوازن الداخلي بغض النظر عن التحالفات السياسية الجانبية وليس غريباً أن تأتي عملية استعادة القرار قبل عشرة أيام من ذكرى الإستقلال الثانية والسبعين من أجل استعادة روحية هذا الحدث الكبير الذي أسس لقيام الدولة. من هنا إن معركة القرار هي معركة استعادة قرار الدولة أولاً من خلال تثبيت الدور المسيحي والقرار المسيحي.

لطالما أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري وغيره من القيادات السياسية أنهم مع أن يتوافق المسيحيون في ما بينهم أولاً من أجل تحديد الإتجاهات التي يجب أن تذهب إليها الأمور في قضيتي انتخابات رئاسة الجمهورية وقانون الإنتخابات النيابية. كانت هناك مراهنة على أن المسيحيين لن يتفقوا وأنه بالإمكان رمي الكرة دائماً إلى ملعبهم من أجل تبرير هضم حقوقهم وإبعادهم عن دائرة التأثير والقول بأنهم ملتحقون بالإصطفافات الأخرى وأنهم خارج القرارات المصيرية ويمكن للآخرين أن يقرروا عنهم. ولكن حسابات العقول والحقول لم تنطبق على حسابات البيادر. وعندما حصلت المعجزة واتفق “القوات” و”التيار” أخذ كثيرون من الذين لا يريدون استعادة المسيحيين لقراراهم يحملون هذا التفاهم أبعاداً وخلفيات ويقللون من أهميته ويعتبرون أنه سيجر “التيار” إلى موقع “القوات” ويأخذ العماد ميشال عون من الرابية إلى معراب حتى ولو كان الدكتور سمير جعجع هو الذي نزل من معراب إلى الرابية وأسقطوا مقولة “فليتفق المسيحيون أولاً في ما بينهم” وعندما تكرس هذا الإتفاق ذهبوا إلى القول إن هناك مسيحيين آخرين يؤمّنون الميثاقية.

لم تكن مسألة ترشح الدكتور سمير جعجع إلى الإنتخابات الرئاسية مسألة عابرة. ولم يكن إعلانه عن برنامج “الجمهورية القوية” مرتكزاً للحكم الرشيد من أجل المناورة. أكثر من مجرد ترشيح نفسه كان الدكتور جعجع يرشح البرنامج ويرفع من مستوى قيمة رئاسة الجمهورية من أجل استعادة الجمهورية التي هي الأساس لاستعادة الدولة والكيان وإعادة التوازن إلى الطائف الذي تم الإنقلاب عليه منذ اغتيال الرئيس رينيه معوض في عيد الإستقلال في العام 1989.

وعندما ترشح العماد ميشال عون وضع سقفاً لترشيحه على أساس أن يكون الرئيس صاحب صفة تمثيلية في طائفته. عندما تبنت قوى 14 آذار ترشيح الدكتور سمير جعجع وقوى 8 آذار ترشيح العماد عون كانت الجلسة الإنتخابية الأولى في 23 نيسان 2014 كارثية من حيث النتائج على القواعد المسيحية بعد الأسماء التي وردت على بعض الأوراق ولعبت على الجراح المسيحية. بين 23 نيسان 2014 و12 تشرين الثاني 2015 أمور كثيرة تغيّرت. سقطت تلك الأوراق الخبيثة وبقيت ورقة النوايا.

في 25 أيار 2014 خرج الرئيس ميشال سليمان من قصر بعبدا ليحتل الفراغ الكرسي الرئاسي. كانت خيبة أمل للمسيحيين في لبنان بينما كان المسيحيون في العراق وسوريا يدفعون ثمن الحروب الدائرة فيهما قتلاً وتهجيراً. كان من المفترض أن تتولى حكومة الرئيس تمام سلام السلطة في مرحلة انتقالية تقود إلى انتخاب رئيس للجمهورية. ولكن ما حصل أنها تحولت إلى “رئيس”.

قبل الرئاسة كانت أزمة مشاريع قوانين الإنتخابات بين “القوات” و”التيار”. حاول البطريرك الراعي أن يجمع الأقطاب المسيحيين الأربعة في بكركي ونجح في ذلك ولكن المحاولة لم تنتج اتفاقاً. بعد التوافق على مشروع قانون اللقاء الأرثوذكسي القائم على أن تنتخب كل طائفة نوابها وبعد سقوطه بالممانعة والإستحالة ذهبت “القوات” إلى مشروع القانون المختلط مع تيار المستقبل والحزب التقدمي الإشتراكي على أساس الدمج بين النسبية والأكثرية الأمر الذي يؤمن انتخاب أكثر من خمسين نائباً مسيحياً بأصوات المسيحيين والتأثير الإيجابي في اختيار عدد من نواب الطوائف الأخرى. كان الخلاف حول قانون الإنتخاب سبباً آخر من أسباب الإحباط المسيحي والتحجج بأن المسيحيين مختلفون حول الرئاسة وحول قانون الإنتخابات ولذلك لا انتخابات ولا قانون.

عندما بدا أن الأبواب مقفلة وبعدما طالب الدكتور سمير جعجع بأن تكون المنافسة بينه كمرشح لقوى 14 آذار وبين العماد ميشال عون كمرشح لقوى 8 آذار بغض النظر عن استمرار ترشيح النائب وليد جنبلاط للنائب هنري حلو، وأن تكون العملية ديمقراطية وأن تتوقف المقاطعة وتعطيل النصاب، ذهب العماد ميشال عون إلى اقتراح أن تنحصر المنافسة بينه وبين الدكتور سمير جعجع فقط. ومع عدم إعطاء جواز مرور لهذا الإقتراح واستمرار إقفال مجلس النواب بالتعطيل بدأت عملية التفاوض بين “القوات” و”التيار الوطني الحر”. لم يكن التفاوض على تسمية المرشح الرئاسي بل على العناوين العامة التي تشكل أسس بناء الدولة.

عندما بدأت اللقاءات بين النائب ابراهيم كنعان ورئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” ملحم الرياشي لم يتوقع أحد أن تتوصل إلى نتيجة. كانت هناك مراهنة عامة أن ما يحصل هو تقطيع للوقت لأنه من المستحيل أن يتفق “القوات” و”التيار” على عناوين مشتركة بعد ثلاثين عاماً من الخلافات والإختلافات. ولكن على عكس هذه المراهنة كان هناك تصميم لدى “القوات” و”التيار” على طي صفحة الماضي وإعطاء فرصة أمل للمسيحيين اللبنانيين القلقين على مصيرهم وهم يتابعون ما يحصل مع المسيحيين في نينوى والرقة وغيرهما.

عندما طالت مرحلة اللقاءات والتفاوض زادت الشكوك. ولكن في 2 حزيران ولدت الورقة وحط الدكتور سمير جعجع في الرابية واضعاً حداً للمرحلة السابقة وفاتحاً صفحة جديدة من العلاقات المسيحية بغض النظر عن التحالفات السياسية على قاعدة الإتفاق حيث يمكن الإتفاق والإختلاف حيث لا يمكن الإتفاق ولكن تحت سقف الديمقراطية ومن دون اللجوء إلى التجريح والحملات السياسية والشخصية.

اعتبر كثيرون أن ورقة إعلان النوايا مجرد عناوين فضفاضة تصلح لتكون موضوع إنشاء وليس مشروع تحالف. وعلى عكس هؤلاء اعتبر آخرون أن “القوات” و”التيار” يؤسسان لثنائية ستلغي الأطراف المسيحية الأخرى. وفي الواقع لم تصنع هذه الورقة المعجزات. بقيت العلاقات بين “التيار” و”القوات” تحت سقف الخلاف المضبوط وكان هذا إنجازاً في حد ذاته. مرت النوايا بأكثر من تجربة ولكنها بقيت صامدة. بقي العماد عون على تفاهمه مع “حزب الله” وبقيت “القوات” في صلب 14 آذار. شارك العماد عون في الحكومة وبقيت “القوات” في خارجها. ذهب العماد عون إلى طاولة الحوار ورفضت “القوات”. بقي العماد عون راضياً بقتال “حزب الله” في سوريا وبقيت “القوات” ضد هذا القتال. ولكن على رغم كل هذه الإختلافات كان لقاء حول العناوين المتعلقة بالهموم المسيحية المشتركة: الرئاسة ووصول رئيس ممثل مسيحياً وقانون انتخابات نيابية يؤمن أيضاً التمثيل المسيحي من دون الغرق في المشاريع السابقة وإعادة منح الجنسية لمستحقيها من المغتربين. بالإضافة إلى ذلك انعكس التفاهم ارتياحاً مسيحياً وبين قواعد الطرفين على رغم التنافس.

عندما حدد رئيس مجلس النواب موعد جلسة تشريع الضرورة في 12 تشرين الثاني الحالي كان تفاهم “القوات” و”التيار” أمام اختبار جدي. عندما حصلت عملية التمديد لمجلس النواب كان “التيار” ضدها ووافقت عليها “القوات” رفضاً للوقوع في الفراغ وعلى أساس أن تكون هناك مهلة شهر يصار بعدها إلى طرح مشاريع قوانين الإنتخاب ليصار إلى عرضها على الهيئة العامة بالإضافة إلى مشروع قانون استعادة الجنسية. ولكن شيئاً من ذلك لم يحصل. من هنا بدا لـ”القوات” والتيار أن الفرصة سانحة لتثبيت الموقف من القانونين: لا يجوز تشريع الضرورة من دون إدراجهما على جدول أعمال الجلسة ولا يجوز استغياب المسيحيين.

كان موقف “القوات” جازماً في الإمتناع عن حضور الجلسة. كانت هناك مراهنة على أن “التيار” سيشارك فيؤمن الميثاقية بعدما كان الرئيس بري اعتبر أن غياب “التيار” و”القوات” معاً عن أي جلسة يفقدها الميثاقية وعلى هذا الأساس تم عبور جلسة التمديد لمجلس النواب. ولكن الرهان على حضور “التيار” سقط. بدا أن إعلان النوايا بين “التيار” و”القوات” أقوى من أي إغراء آخر ويتقدم على أي اعتبار آخر.

حاول الداعون إلى الجلسة على رغم اعتراض “القوات” و”التيار” أن يؤمنوا الأسباب الموجبة لها من خلال تسليط الضوء على المخاطر المالية التي تهدد لبنان. لتوسيع دائرة الإعتراض المسيحي زار الدكتور سمير جعجع البطريرك الراعي الذي كان استقبل وفوداً إقتصادية ومن جمعية المصارف وزاره أيضاً النائب ابراهيم كنعان. بعد لقاء جعجع وكنعان أعاد البطريرك الراعي تأكيد الثوابت المسيحية في عظته يوم الأحد 8 تشرين الثاني الحالي وفي اليوم التالي في مجلس البطاركة الكاثوليك في بكركي على أساس معالجة الموضوع المتعلق بالتشريعات المالية تقنياً وعدم زج قضايا التجنيس في مشروع قانون استعادة الجنسية وطرح موضوع قانون الإنتخابات. وهذا ما حصّن الموقف المسيحي بعدما كان حزب “الكتائب” عارض المشاركة في الجلسة من زاوية عدم شرعية أي جلسة نيابية خارج إطار انتخاب الرئيس.

يوم الإثنين عقد الدكتور سمير جعجع مؤتمره الصحافي تحت عنوان “خدونا بحلمكم” ووضع النقاط على الحروف فاصلاً بين القضايا المالية وقضايا الجنسية والإنتخابات ورفع سقف التحدي إلى درجة التلويح بالتفاهم مع “التيار الوطني الحر” على قانون موحد للإنتخابات.

يوم الثلاثاء قبل الظهر استقبل رئيس حزب “الكتائب” النائب سامي الجميل في بكفيا ملحم الرياشي من أجل تنسيق المواقف ثم استقبل رئيس تيار “المردة” النائب سليمان فرنجية الذي كان أعلن نيته المشاركة في الجلسة النيابية. بعد الظهر كان الجميل يستقبل في البيت المركزي في الصيفي الرياشي والنائب ابراهيم كنعان. في حين لم يتوصل الجميل وفرنجية إلى الإتفاق على مواقف موحدة برز التفاهم بين الجميل وبين “القوات” و”التيار” على خطة المواجهة لتتسع دائرة الإعتراض المسيحي بعد مواقف العماد عون على أثر اجتماع تكتل التغيير والإصلاح ولتنضم إليه جمعية المصارف بعد لقاء وفد منها مع الدكتور سمير جعجع في معراب وخروج رئيسها الدكتور جوزف طربيه مصرحاً بضرورة أن يكون التصويت على القرارات المالية ميثاقياً.

مساء يوم الثلاثاء لم يكن مختلفاً عن ساعات النهار حيث برزت مسألة النزول إلى الشارع والدعوة إلى الإضراب بالإضافة إلى انضمام حزب “الطاشناق” إلى دائرة المترددين والراغبين بإعطاء المزيد من الوقت لدراسة المشاريع المقترحة. عند هذا الحد بدا أن التفاهم بين “القوات” و”التيار” ثابت أكثر من أي تفاهمات وتحالفات أخرى وبات مطلوباً من الجميع مراجعة حساباتهم على أساس أن المسيحيين اختاروا أن تكون الأولوية للموقف الموحد تجاه قضيتي الجنسية وقانون الإنتخابات. وبدا واضحاً أيضاً أن الإعتبار عاد إلى القرار المسيحي.

بعد هذه العودة هل يمكن أن يبقى المسيحيون في دائرة حق الرفض والفيتو أم أن بإمكانهم الإنتقال إلى المبادرة وطرح المشاريع المشتركة خصوصاً في ما يتعلق بمشروع الإنتخابات النيابية ورئاسة الجمهورية؟

المسألة لا تتعلق بتغيير التحالفات ولا بهز تحالفي 14 أو 8 آذار بل بتحديد سقف المطالب المسيحية التي نص عليها إعلان النوايا:

الالتزام بمرتكزات وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّت في الطائف والتعهد باحترام أحكام الدستور كافة من دون انتقائية وبعيداً من الاعتبارات السياسية والابتعاد عن كل ما من شأنه التلاعب بأحكام الدستور أو إساءة تفسيره.

التأكيد على أن وثيقة الوفاق الوطني قد طبقت منذ إقرارها وخلال عهد الوصاية وحتى اليوم بشكل معتور مما يوجب تصويب المسار من خلال العودة إلى مرتكزات الميثاق الوطني وأحكام الدستور المتعلقة بالمناصفة الفعلية وصحة التمثيل النيابي الفعال والشراكة الصحيحة بين مكوّنات المجتمع اللبناني كافة بما يحفظ قواعد العيش المشترك وترجمة ذلك في قانون انتخاب يؤمن القواعد المشار إليها أعلاه وفي انتخاب رئيس للجمهورية قوي ومقبول في بيئته وقادر على طمأنة المكوّنات الأخرى والإيفاء بقسمه وبالتزامات الرئاسة بما يؤمن الشراكة الفعلية الميثاقية والمصلحة الوطنية العليا.

ضرورة إقرار قانون جديد للانتخابات يراعي المناصفة الفعلية وصحة التمثيل بما يحفظ قواعد العيش المشترك ويشكل المدخل الأساسي لإعادة التوازن إلى مؤسسات الدولة.

الالتزام بوثيقة الوفاق الوطني لجهة اعتماد اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة ونقل قسم كبير من صلاحيات الإدارة المركزية ولا سيما الإنمائية منها إلى سلطات لامركزية منتخبة وفقاً للأصول وتأمين الإيرادات الذاتية اللازمة لذلك.

التأكيد على التمسك بالمبادئ الكيانية المؤسسة للوطن اللبناني والتي هي سبب وجوده وجوهر رسالته في التسامح والتنوّع والتعايش الفريد القائم على المشاركة الكاملة في الحكم والعمل المشترك من أجل إقرار القوانين المحققة لذلك وفي طليعتها قانون استعادة الجنسية وقانون تملك الأجانب كما العمل من أجل الحؤول دون القيام بأي إجراءات تخالف المبادئ المنبثقة من الصيغة اللبنانية ومن الميثاق الوطني.

لا شك أن هناك يوماً جديداً في روزنامة الأيام اللبنانية. يوم باتت فيه الشراكة الوطنية فوق كل اعتبار. أليس هذا ما أراده كثيرون دائماً: أن يتفق المسيحيون أولاً؟

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل