
ما إن تطأ قدماك موقع التفجيرين في حي عين السكة في برج البراجنة، في الضاحية الجنوبية لبيروت، حتى تنخر عظامك رائحة الدماء المنتشرة في الشارع الشعبي. وجوه تراقب بحذر كل مارٍّ بشارع انتهك حرمته أربعة انغماسيين تمكّن اثنان منهم من إصابة عشرات الضحايا والجرحى. نساء متّشحات بالأسود يجُبنَ الشارع بوجوه متجهّمة، رجال أمن وانضباط ينتشرون في المكان ببذات خضراء مرقطة أو زيتية داكنة. شباب يثبّتون إلى الحائط لافتة كتب عليها “لن تقتلوا فينا ثقافة الحياة والمقاومة”.
https://www.youtube.com/watch?v=dvT4GkZynUY
الطفل علي أحمد ترمس (7 سنوات) نجا من التفجير بأعجوبة
إذا كنت قادماً من مستشفى الرسول الأعظم باتجاه المكان فيستوقفك أولاً موقع التفجير الثاني حيث انقض عادل ترمس على ثاني الانتحاريين مانعاً إياه من استكمال مجزرته. قرب “الإكسبرس” لجهة اليمين نجح ترمس في تدارك عشرات الضحايا المحتملين بينهم الطفلان مريم وعلي ترمس وهنا عُلّقت لافتة تؤكد أن التكفير لن يرهب الضاحية وأنها لن تركع.
في مكان التفجير الثاني تلتقي طفلين شهدا على التفجير ونجوا بأعجوبة. منزلهما يبعد أمتاراً قليلة من هنا. الطفل علي أحمد ترمس (7 سنوات) كان في الجامع يصلي حين وقع التفجير الأول فخرج هارعاً إلى المنزل بحثاً عن والده ومتفقداً إخوته. لم يخف علي رغم أن الجميع حذر من احتمال وقوع انفجار ثانٍ. مرّ بالقرب من الانتحاري وما لبث أن وصل إلى المنزل حتى وقع التفجير الثاني.
إلى جانبه شقيقته مريم أحمد ترمس (9 سنوات) التي تخبرك بعينين دامعتين بأنها كانت على شرفة المنزل حين وقع الانفجار الأول، وكيف أرعبها غياب أهلها عن المنزل وهي الابنة البكر للعائلة. دخلت إلى المنزل وبقيت بجانب شقيقها وشقيقتها الصغيرين ولم تستطع تركهما لتخرج بحثاً عن أهلها.
https://www.youtube.com/watch?v=fnofrVQ-o_M
الطفلة مريم أحمد ترمس (9 سنوات) شهدت التفجير عن الشرفة ونجت منه
تتقدم وئيداً من مكان التفجير الثاني نحو مكان الأول متخطياً الزجاج المتناثر أينما اتفق. تحتاج إلى 50 قدماً لتصل إلى الموقع حيث فجّر الانتحاري الأول نفسه قرب مفترق ضيق يؤدي إلى مسجد الإمام الحسين هدف الانتحاري الذي لم يبلغه كما رُجِّح. يمنعك رجال الأمن من الاقتراب أكثر حرصاً عليك من أعمال إزالة الحطام من الطريق وشرفات المباني المجاورة.
على بعد أمتار من التفجير الأول تجد إلى يسارك منزلاً متواضعاً بابه مفتوح تجلس في صدره حاجة استشهد ابن ابنة اختها، محمد مزهر. أجرت أم محمد حديثاً عملية لعينها وممنوع عليها الغضب أو الانفعال لكن التفجيرين في الحي الذي تسكنه أتيا على ما تبقى لها من قوة.
يصاب أمامك الطفل حسين (7 سنوات) بنوبة بكاء في منزل الحجة أم محمد بفعل اطلاق الرصاص خارجاً تخونك قواك على تهدئته فترافقك صورته طيلة اليوم وأنت تفكر بعشرات الحالات المماثلة. تصعد إلى سطح المنزل فتدرك أن الخيم المصنوعة من الخشب والحديد صالحة أيضاً للسكن. تطل من فوق على الشارع المؤدي إلى مسجد الإمام الحسين يغصّ بمشيّعي الشهيد حسين حجيج (22 عاماً). تعلو الهتافات ويتقاطر الغاضبون إلى السطوح مطلقين الرصاص في حضرة الوداع.
https://www.youtube.com/watch?v=G0TLMpZxNU4
الحجة أم محمد تروي ما عانته على بعد أمتار من التفجير الأول
صاحبة أحد محال الحلويات في الشارع كانت موجودة لحظة التفجيرين. شهدت على آلام الناس في لحظات الرعب تلك. استفاقت من الصدمة تنظر إلى نفسها إن كانت لا تزال على قيد الحياة. أمامها استشهد أحد العابرين حين توقف أمام أحد محلات الهواتف.