
استفاق العالم مذهولًا على مجزرة ارهابية مروعة راح ضحيتها أكثر من 130 قتيلا وأُصيب أكثر من 350 بجروح في اعتداءات غير مسبوقة في باريس، وعلى وقع الفاجعة بدأ رؤساء الدول العظمى يطلقون المبررات لاخفاء اخطائهم وحماقاتهم والتي اوصلت “داعش” (والارهاب بشكل عام) الى ما هو عليه.
كيف بدأ الامر، وكيف وصلنا الى هنا؟
يوم بدأ تنظيم “داعش” ينمو داخل الاراضي السورية بمساعدة المخابرات السورية والعراقية، كان معظم المحللين والعارفين بقضايا المنطقة (وخبراء الارهاب) قد أرسلوا تحذيرات بأن إهمال المجتمع الدولي (واميركا تحديداً) للثورة السورية، لن يعين بشار الأسد على الإنتصار، بل سيحوّل سوريا، مع مرور الزمن الى أرض عمليات مفتوحة للتطرف (تشبه افغانستان) والذي سيتمدد في نهاية المطاف الى خارج سوريا، ليشكل خطراً على اوروبا واميركا والعالم. إلا أن أصحاب القرار الدولي سدوا آذانهم عن كل هذه التحذيرات.

عمل بشار الاسد على تشجيع نموّ ظاهرة الإرهاب واستفحالها، وتعاون مع المالكي ليطلقا من السجون السوريّة والعراقيّة ما يلزم من “إرهابيين وتكفيريين” لإقناع العالم بأنّ ما يحصل في سورية هو الإرهاب بعينه. فكان النظام أوّل من شجّع “داعش” ودعمه، وتم تسليم التنظيم الارهابي ما يكفي في الاسلحة والذخائر خلال (مسرحية) فرار القوات العراقية، كما ساعد النظام تنظيم “داعش” في ضرب “الجيش الحرّ” والتوسّع على حساب مناطق سيطرته، إلى أن أصبح “داعش” في موقع قوّة.

وهذا ما اكده المبعوث الدولي السابق إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي في حديث إلى صحيفة “الوطن” السعودية، حين قال: “ان بشار الأسد أراد خداع العالم وإيهامه بأن البديل الوحيد لنظامه هو الإرهاب، من خلال استدراج تنظيم “داعش” إلى محافظة الرقة السورية، وفتح الباب أمامه لارتكاب كثير من الفظائع، حتى يدفع المجتمع الدولي إلى دعمه لمواجهة الإرهاب، أو على الأقل الكف عن محاربته وتضييق الخناق عليه”.

أميركا…. سئمنا أخطاءك
سياسات اوباما الخارجية دفعت ثمن عشوائيتها شعوب المنطقة والعالم قتلاً وإرهاباً. والعذر واحد، حسابات مغلوطة، أو ببساطة “لم نكن نتوقع ذلك” كما أقر الرئيس الاميركي باراك اوباما في مقابلة مع شبكة “سي بي اس نيوز” في ايلول 2014، حين قال “ان الولايات المتحدة لم تتوقع ان يؤدي تدهور الوضع في سوريا الى تسهيل ظهور مجموعات اسلامية متطرفة خطيرة على غرار تنظيم الدولة الاسلامية”، واضاف: “اعتقد ان رئيس اجهزة الاستخبارات جيم كلابر اقر انهم لم يحسنوا تقدير ما جرى في سوريا”.
يختصر دنيس روس في مقال لجريدة “واشنطن بوست” ما يسّميه استراتيجية عدم وجود استراتيجية عند باراك أوباما حيال الأزمة السورية. وهو بمثابة إدانة لسياسة التردد التي تحكم البيت الأبيض. روس (الذي عمل مستشاًرا لأوباما) ليس الوحيد الذي ينتقد سياسته المترددة حيال سوريا، فقد كّرت سبحة الاستقالات التي كان قد افتتحها روبرت فورد السفير الأميركي في دمشق قبل التدخل العسكري الروسي، عندما شن حملة قاسية على سياسة البيت الأبيض.
.jpg)
وإذا كانت هيلاري كلينتون قد اتهمت أوباما تكراًراً بأنه ترك فراًغا في سوريا ملأه الإرهابيون، فإن فريديريك هوف الذي كلفه أوباما الملف السوري سرعان ما قدم استقالته اعتراًضاً على عدم وجود استراتيجية أميركية واضحة حيال الأزمة المتمادية، التي شهدت تدخلاً ميدانياً متصاعداً من الإيرانيين وأذرعهم العسكرية ، وقبل شهر تقريباً، استقال فجأة الجنرال جون ألان مبعوث أوباما الخاص إلى العراق وسوريا والمنسق العسكري للتحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، احتجاًجا على عدم جدية البيت الأبيض وإخفاقه المعيب في تأمين العناصر الضرورية لشن معركة حقيقية ضد “داعش”، وكانت استقالته أشبه بفضيحة بعد فشل مشروع أوباما في تدريب عناصر المعارضة المعتدلة، خصوصاً بعدما تبّين أنه من أصل ألف مقاتل لم يتم تدريب أكثر من سبعين.
ثم جاءت استقالة إيفلين فاركاس، المسؤولة عن الملف الروسي في وزارة الدفاع الأميركية، في ما بدا أنها نتيجة خلافات متصاعدة داخل أروقة البنتاغون حول سياسة متخاذلة في مواجهة التحدي الروسي في أوكرانيا ثم في سوريا، كما سجل امتعاض متزايد لدى وزير الخارجية جون كيري ووزير الدفاع آشتون كارتر، من أن واشنطن لا تواجه بالحزم الضروري والمطلوب استفزازات موسكو، خصوصاً بعدما أعلن مدير “سي آي إيه” جون برينان أن المقاتلات الروسية تقصف المعارضين السوريين الذين دربتهم أميركا.
لقد ساهمت سياسة اوباما الخارجية، في تراجع الدور الاميركي في العالم ، اضافة الى ملايين القتلى والمهجرين في سوريا والعراق، والاسوأ من ذلك تحويل كل من سوريا والعراق الى بؤرة توحش جديدة تجذب الارهابيين حول العالم، وها هي اوروبا وكذلك العالم يتخبط في معالجة ازمة الارهاب، والمجزرة في فرنسا لن تكون الاخيرة.
لو سلّمنا جدلاً بأن الأخطاء الاميركية غير مقصودة، فإنّ من الحريّ بها أن تقوم بإصلاحها، وعليها أن توقف التخبّط بين مؤسساتها الداخلية وتعتمد آراء الخبراء ممّن لديهم معرفة فعلية بما يجري على الأرض. واسقاط نظام بشار الاسد عاجلاً وليس آجلاً، وهذا ما لم يحدث حتى الان.