تتساقط تصريحات الاستنكار كسابقاتها مع أوراق الخريف، وتبرد المواقف. وحدها الدماء تبقى حارّة في وجَع الناس وهلَع الوطن.
لا يمكن أن تنتهي مذبحة برج البراجنة كما انتهت سابقاتها، إلى مزيد من الولوغ في الدماء، في دورة الموت التي لا تنتهي. فالحدّ الأدنى من الوعي والمنطق يفرض الابتعاد قليلاً عن ساحة الموت، والتفكير بهدوء في ما كان وصار، ومراجعة ما على لبنان وما لَه.
وليست الدعوة إلى الهدوء والمراجعة نوعاً من التوظيف في المأساة وتحريك السكّين في الجرح، بل نداء عاقل للتبصّر وإجراء جردة حساب بسيط للأسباب والوسائل والنتائج.
لا يمكن البناء على تصريحات عاطفيّة متسرّعة صدرت عن بعض السياسيّين المزايدين والمحدوديّ الأفق، الذين حرّضوا على مزيد من التورّط في سوريّا تحت شعار محاربة الارهاب في عقر داره.
وكان الأسوأ في تعليقاتهم على المقتلة أنّها نتيجة يأس المهزومين في سوريّا وانتصار النظام، وتساؤلهم عن عدد التفجيرات اللازمة كي يقتنع “البعض” بوجوب التصدّي للإرهاب خارج الحدود اللبنانيّة، ما يعني تشجيعهم “حزب الله” على انغماسه ودعوة الآخرين للحاق به إلى هنالك.
من السهل تحريض “حزب الله” على المزيد، بينما المحرّضون متفرّجون، أو غارقون في لعبة النفوذ والسلطة والمال. وكلام العقل أصعب وأثقل على المحترق بالنار، وهو يفضّل الحكّ على حروقه وجروحه، ولا يتقبّل بسهولة نصيحة هنا أو إشارة هناك.
وحقيقة المصيبة أنّ الجروح والحروق لا تُصيب “حزب الله” وحده، بل لبنان بأسره. ومهما تمّ عزل الضاحية فهي في صلب النسيج اللبناني، بمجتمعه وأمنه واقتصاده وسياسته ودورة حياته. وما يُصيبها يُصيب كلّ الجسم اللبناني.
هذا ليس من باب الشفقة والتعاطف مع الضحايا فقط، بل من باب المصلحة اللبنانيّة العامّة التي تفرض سلامة المكوّنات وتكاملها وتفاعلها في الجسم اللبناني. فالضاحية، مهما انعزلت أو عُزلت، عضوٌ حيّ في هذا الجسم.
لذلك، لقد آن عمل العقول الباردة، ووقف العواطف المزايدة. وقد جاءت إشارة قويّة إلى هذا التوجّه من السيّد حسن نصرالله نفسه قبل يوم واحد من تفجيرات البرج.
فللمرّة الأولى يتخلّى قائد “حزب الله” عن لغة الحرب والردع، ويبتعد عن منطق الغلبة بالسلاح، وعن وصف 7 أيّار بـ”اليوم المجيد”. بل ذهب إلى حدّ القول باستحالة تكراره لانشغال الإقليم والعالم عنّا بشؤون وشجون أكبر وأخطر، ودعا إلى تسوية سياسيّة شاملة.
وليس من المنطق أن تؤدّي مجزرة الضاحية إلى التراجع عن هذا التوجّه التسووي، بل إلى تقويته وتثبيت الايمان به والبحث في خطواته العمليّة، وأوّلها تسوية في ملفّ انتخاب رئيس الجمهوريّة.
كما أنّ انخراط “حزب الله” في الحرب السوريّة مرشّح لإعادة النظر، ليس بقرار ذاتي منه، بل نتيجة انخراط إيران في تسوية فيينا، وتصدّر روسيّا واجهة القرار في سوريّا.
وأيّ تقويم سياسي هادىء لنتائج 4 سنوات من الانزلاق في الوحول السوريّة، يتوصّل إلى استنتاج حالة التعقّل المنتظرة، بعد إنعام النظر في كلّ المعارك من القلمون والزبداني والجولان إلى حمص وحماه واللاذقيّة وإدلب وحلب، بإخفاقاتها وخسائرها وأثمانها، واستحالة الانتصار فيها، ونفقها الأسود الطويل.
وبدلاً من السؤال عن عدد التفجيرات التي يجب أن تحصل كي نتصدّى للإرهاب، علينا أن نسأل: كم من الضحايا والقرابين يجب أن نقدّم بعد إلى إله الحرب العبثيّة و”المقاومة” التي تأكل أبناءها، وتأكل معهم مصير لبنان؟
في بيتنا دماء كثيرة، وخوفنا أن يبلغ سيلها الزُبى. وهي تناشدنا وقف آلة الموت.
والكلمة الآن للعقلاء، كي يستجيبوا نداء الدماء.