المشنوق يغازل “حزب الله”.. وينقل “أولويات المستقبل” إلى عين التينة

الأمن هنا فوق كلّ اعتبار في المديريّة العامة لقوى الأمن الداخلي. القوى الأمنية موزّعة على المدخل وفي كلّ زاوية، الكلاب البوليسيّة تشتمّ السيارات الداخلة. السيارات الرباعية الدفع ذات الزجاج الداكن تملأ المرأب المخصّص للأمنيين. وبعدها يكون الطريق سالكاً إلى الطبقة السابعة في المديريّة: زحمة صحافيين ومصوّرين وثلاث كراسي تنتظر مَن يجلس عليها، الجميع هنا يعلم أن الكرسي الـ «سبيسيال» هي لـ»معاليه».

لوحات تزنّر الغرفة المستطيلة. كلّها مرسومة بطريقة يدويّة للقيادات الذين تعاقبوا على المديريّة و «شعبة المعلومات»، إلّا واحدة تختلف عن الجميع. إنّها صورة فوتوغرافيّة كبيرة لرئيس «المعلومات» السابق الشهيد وسام الحسن، موضوعة على مسندٍ خشبي على يسار القاعة. وليست هذه الصورة هي الوحيدة للواء الشهيد داخل المديريّة، إذ لا يمكن للداخل إلى هنا إلا أن يرى طيفه في كلّ مكان.

كان من المفترَض أن يدخل وزير الداخليّة والبلديّات نهاد المشنوق إلى القاعة عند الساعة 12 والنصف من بعد ظهر أمس. طوال الوقت كانت العيون مصوّبة إلى المصعد، حيث تجمْهَر الأمنيون. كلمات وإشارات على الأجهزة اللاسلكيّة إلى أنّ أطلّ المشنوق ويمشي خلفه اللواء إبراهيم بصبوص والعميد عماد عثمان. جلسا على يمين ويسار الوزير شابكين كلّ واحد منهما يديه ببعضها البعض، فيما الميكروفونات توزّعت فقط حول «الكرسي السبيسيال».

بدا المشنوق يتحدّث مرّة كما لو كانت السيوف والنجوم مكدّسة على كتفيه، ومرة يشدّ ربطة عنقه. بالطبع، تقصّد الرجل أن يجمع بين الاثنين وهو يُفرج عن المعلومات المتعلّقة بالشبكة الضالعة في تفجير برج البراجنة متحدّثاً بلغة الضباط وتعابيرهم، وإن وجّه، في الوقت عينه، الرسائل السياسيّة إلى مَن يعنيه الأمر بلغة ديبلوماسيّة مبطّنة يفتح فيها الباب باتجاه «حزب الله» وإن من دون تشريعه.

ولأنّ اللّغتين صارتا محببتين له مذ دخل المشنوق إلى «الصنائع»، فاضل بينهما ليبدأ بالسياسة، خصوصاً أنّ كلمته تأتي بعد أقلّ من 24 ساعة على خطاب الأمين العام لـ «حزب الله» السيّد حسن نصرالله الذي تحدّث عن التسوية الشاملة، ثمّ رد الرئيس سعد الحريري عليه، ليكون كلام المشنوق كتفسيرٍ واضح لردّ الأخير.

لم يغفل المشنوق أن يردّ التحيّة لـ «السيّد»، هو الذي حاول مغازلة «حزب الله» بعد جفاء. وسريعاً نوّه بخطاب نصرالله الذي كان «جدياً ومسؤولاً باعتبار أن الطائف هو سقف كل اللقاءات والحوارات السياسية، والرئيس الحريري تجاوب مع نصرالله وكان إيجابياً».

وزير الداخليّة، الذي ردّد أكثر من مرّة الكلمة المفتاح «الحوار» وأمِلَ أن «يكون هذا الأمر (التفجير والكشف عن الشبكة) فاتحة الخير لحوار سياسي جدي يأخذ بعين الاعتبار حاجة اللبنانيين الى الاستقرار»، ربط الخيوط السياسية تماماً كالأمنيّة، معيداً التذكير بالاختلاف بين «المستقبل» و «حزب الله» حول الأولويات في الحوار والتسوية.

وبرغم ذلك، أعاد وزير الداخليّة أمر الاختلاف بين الطرفين، إذ رأى أن نصرالله تحدّث عن سلّة متكاملة فيما الحريري تحدّث عن الأولويات (انتخاب رئيس للجمهوريّة)، ولكنّ ليعيد ويؤكّد أنّ «وضع أولويات ليست للخلاف، بل قابلة للنقاش والبحث من أجل الوصول الى مزيد من نقاط التلاقي».

إنّها إذاً «كلمة السرّ» التي نقلها المشنوق عن الحريري: الحوار بين الطرفين في عين التينة صار يمكن أن يطال الأولويّات التي لطالما تمسّك بها «حزب الله» من دون أن ينسى التأكيد على سبب الأولويّات، مشيراً إلى أنّ «الاستقرار السياسي لا يدوم من دون توافق كلّ القوى السياسية، هذ البلد لا يمشي دون رئيس والنظام لا يعيش دون رئيس. ومهما تحدّثنا عن غطاء دولي للاستقرار في لبنان هذا الغطاء يتعب ولا يعيش في نظام فاقد للنصاب الدستوري بغياب رئيس وحكومة أو مجلس نواب لا ينعقد إلا بعد جهود كبرى، وكأن الاستثناء هو عقده».

الرسالة الثانية لـ «حزب الله»، هو البحث عن حلول من دون الخارج. تطرّق إليها ولو تلميحاً.

ومن السياسة انتقل المشنوق إلى الأمن، ليكشف عن إنجاز «شعبة المعلومات». كان العميد عثمان يجلس على يسار المشنوق واضعاً ملفاته على الطاولة مرتاحاً لكلّ «جرعات القوة» التي ضخّها «معاليه» في شرايين الشعبة. تعمّد المشنوق تكرار كلمة «المعلومات» أكثر من عشرين مرّة خلال مؤتمر صحافي، تماماً كما تقصّد خلع الصفة الطائفيّة التي يُلصقها البعض بـ «الشعبة».

ولدى سؤاله عن تعمّده إعطاء المعنويات لـ «المعلومات»، ردّ ضاحكاً وغامزاً من قناة نصرالله (الذي نوّه بإنجاز المعلومات): «لستُ وحدي.. بل في غيري».

.. ويكشف شبكة «داعش»

كشف وزير الداخليّة والبلديّات نهاد المشنوق أنّ تنظيم «داعش» حضّر 5 انتحاريين (2 هما انتحاريا برج البراجنة وواحد قُبض عليه في طرابلس و2 لم يدخلا) لتنفيذ التفجير في العملية والمكان نفسيهما، ولكنّ اعتقال «شعبة المعلومات» أحد الانتحاريين إبراهيم الجمل (21 سنة) في طرابلس، وعدم قدرة انتحاريين آخرين من الوصول إلى لبنان، عطّلا المخّطط، مشيراً إلى أنّ الجمل حاول تفجير نفسه بالقوى الأمنية أثناء اعتقاله لكن العطل في الحلقة الخاصة بالحزام الناسف الذي كان بحوزته أحبط العمليّة، هو كان ينوي تفجير نفسه في جبل محسن.

وأعلن أن «المعلومات قبضت على الشبكة المؤلفة من 7 سوريين ولبنانييْن اثنين هما الجمل وأحد المهربين الذي أدخل الانتحاريين (من منطقة البقاع الشمالي) إلى لبنان عن طريق الهرمل. فيما أحد الموقوفين موجود لدى الأمن العام»، لافتاً الانتباه إلى أنّ «المخطّط كان يقضي باستهداف مستشفى الرسول الأعظم المليء بالمرضى والأهالي والمدنيين، إلا أن الإجراءات الأمنيّة المتّخذة في محيطه منعته من ذلك، ما جعل الانتحاريين يعاينون منطقة قريبة داخل الضاحية وأوقات الاكتظاظ فيها».

وأشار المشنوق إلى أنّ «الشبكة استخدمت شقتين: واحدة في برج البراجنة والثانية في منطقة الأشرفية حيث كان يجري تحضير الأحزمة الناسفة ذات الصنع المحلي»، مؤكداً أن التحقيقات كشفت عن هوية الانتحارييْن الاثنين وهما سوريان.

وإذ شدّد على أنّه «من المستحيل ان تكون عملية برج البراجنة هي الأخيرة»، رأى أنّه «كان واضحاً أن هناك قراراً كبيراً بالتفجير في لبنان»، معلناً أنّ الانتحاريين كانوا يُجرون لقاءات مع شخص يُدعى «أبو وليد» وهو موجود بمنطقة الرقة السورية.

وكشف المشنوق أن الجيش اللبناني ضبط 10 سيارات مفخّخة وعدداً أكبر من الدراجات النارية المفخّخة في منطقة عرسال، داعياً القرى الحدودية لتحمّل مسؤوليتها والتعاون مع القوى الأمنية، «لحماية أنفسهم والضاحية وبيروت، إذ إن مسؤولية المهربين لا تقل عن مسؤولية الانتحاريين».

المصدر:
السفير

خبر عاجل