#adsense

المسلمون في الصين.. والتاريخ الراهن

حجم الخط

من كتاب: الإسلام والمسلمون في الصين

اعتاد الباحثون العرب النظر إلى قضايا الإسلام من خلال التركيز على الدول العربية والجالية المسلمة في الغرب، ولم يعطوا الاهتمام الكافي لمسلمي الصين الموزعين على عشر قوميات: الويغور، الطاجيك، الكازاخ، القرغيز، الأوزبك، التتار، الهوي، سالار، دونغشيانغ، وباوآن، من أصل (56) قومية.

تُعد الكتب المعنية بأحوال الإسلام الصيني قليلة في المكتبات العربية، إذا ما قورنت بالكمّ الوفير من المراجع الصادرة في اللغتين الإنكليزية والفرنسية. وفي ظل توجه الباحثين العرب إلى دراسة الإسلام في روسيا والجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى، إثر تفكك المنظومة الشيوعية، اهتم بعضهم بشؤون مسلمي الصين، فأصدروا عدداً من الأبحاث الجادة لا سيما في العقدين الأخيرين.

يعالج “الإسلام والمسلمون في الصين” ملفات شائكة: تاريخية وثقافية وحضارية واقتصادية. شارك في الكتاب عدد من الباحثين العرب والصينيين والغربيين تناولوا محاور مهمة في تحديد المعالم والسياقات التي شكلت “الإسلام الصيني”.

يدرس المحاضر في كلية الدراسات العربية (جامعة نينغشيا- الصين) أسامة عبدالسلام محمد منصور، الطوائف الإسلامية في الصين وتبلورها التاريخي وانتشارها الجغرافي وروابطها مع المحيط الديني والمجتمعي والسياسي. اتسم الإسلام التقليدي بخاصية تنهض على مركزية المسجد والتعليم الديني والقباب. تناول رئيس برنامج الدراسات الدينية في جامعة شانغهاي جيان بينغ وانغ حضور المؤسسات الإسلامية التقليدية، وما تتميز به من أهمية دينية واجتماعية؛ تمتع “الأخند” (الإمام) بمكانة مهمة في قلب المجتمع المسلم الصيني. ضمت مساجد الصين الأراضي والمتاجر والغابات وطواحين الهواء، والعقارات والفنادق، وكان الدخل من هذا الوقف يُستخدم في المسجد بإشراف اللجنة الإدارية. ومع الحكم الشيوعي صودِرت جميع الأراضي التابعة للمساجد، فبات الوقف يعتمد اليوم على التبرعات وعلى ما تبقى من عقارات يؤجرها المسجد.

عمد النظام الشيوعي إلى استراتيجيات الدمج القسري في علاقته مع الأديان. يلفت الباحث الصيني إسحق ما جيان إلى أن الثنائية المتناقضة بين الإسلام والشيوعية تأرجحت بين التوتر والمواءمة، منذ بداية الثورة الثقافية (1966- 1976)، إلى أن استقرت على منح الحكومة المركزية الحرية للمسلمين في ممارسة شعائرهم.

شكلت الصلات بين الإثنية والدين قاعدة لفهم هوية المسلمين الصينيين على اختلاف انتماءاتهم القومية. وفي هذا السياق يحاجج الأنثروبولوجي الأميركي درو غلادني نهج صموئيل هنتنغتون لما يسمى “صدام الحضارات”. ويرى أن تاريخ الإسلام في الصين يوصف باعتباره حواراً بين الحضارات، فحالة المسلمين تشكل انتقاداً خاصاً لأطروحة “الحضارات المتصادمة”. يتفحص الكاتب ثلاث قوميات مسلمة أقلية في الصين: “الهويط و”الويغور” و”الكازاخ”، مقدماً الحجة على الحاجة إلى نظرية أكثر تطوراً لا تأخذ في الحسبان تباين الثقافة فحسب، وإنما احتمال الهوية الإثنية والدينية في الدولة القومية الحديثة.

في موازاة الإسلام التقليدي المعتدل والتوفيقي، تطورت في القرنين الثاني عشر والثالث عشر السلفية التقليدية في الصين. يكشف رئيس المركز الدولي للعنف السياسي وبحوث الإرهاب في سنغافورة روحان جوانارانتا عن البداية التاريخية التي آلت إلى نمو السلفية الجهادية/ التكفيرية في أوساط قومية “الويغور”، ما أدى إلى ظهور تهديد حقيقي للحكومة المركزية في منطقة شينجيانغ ذاتية الحكم، إثر نشوء الحركات الجهادية من ضمنها “حركة شرق تركستان الإسلامية”.

يبرهن الأستاذ المساعد في شعبة التاريخ في جامعة ولاية فروستبورغ هايون على أن العلاقات بين الويغور والسلطات المتعاقبة تحكمت بها عوامل عدة، فيرصد طبيعتها ضمن ثلاث حقب تاريخية: النظام الإمبراطوري، النظام الجمهوري، والنظام الشيوعي. وفي المرحلة المعاصرة تأثرت العلاقات المتوترة بالحرب الأميركية على الإرهاب، وما تلاها من حملة صينية مماثلة في منطقة شينجيانغ ذاتية الحكم.

أدركت الحكومة الصينية أن “الإسلام الراديكالي” يشكل تهديداً متنامياً لجمهورية الصين الشعبية، مما دفع قادة الحزب الشيوعي إلى إصدار لائحة تنظيمية شاملة للشؤون الدينية في شهر كانون الثاني 2015، توضح فيها الطبيعة غير القانونية والمتطرفة للأنشطة الدينية، وهي تسعى في صلبها إلى معالجة تهديد “الإرهاب العنيف” والنزعة الانفصالية الإثنية. ومن أجل فهم ماهية الأحكام والإجراءات القانونية المعمول بها في اللائحة حلَّلت الباحثة الأميركية جوليا فامولارو موادها وحدود تطبيقها.

ثقافياً، شهد الاستعراب في الصين نشاطاً ملحوظاً، تعود بدايته إلى أواخر عهد أسرة مينغ الملكية (1368-1644)؛ وأوائل عهد أسرة تشينغ الملكية (1644-1911). واكب المستعرب الصيني تشونغ جيكون في ورقته حركة الاستعراب الصيني التي تنامت في السنوات الأخيرة من خلال نقل النصوص العربية إلى الصينية، وتدريس اللغة العربية في الجامعات والمعاهد العالية. وإلى جانب حركة الترجمة لروائع الأدب العربي القديم، نقلت إلى الصينية الدواوين الشعرية والروايات من بينها ديواني الشاعر أدونيس: “عزلتي حديقة” و “تجاعيد الوقت” وأعمال ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران، وتوفيق يوسف عواد، والطيب صالح، وتوفيق يوسف الحكيم، وطه حسين، ويوسف إدريس، وإحسان عبد القدوس، وإبراهيم الكوني…إلخ.

يقدم رئيس قسم اللغة العربية في جامعة بكين لين فنغمين دراسة تحت عنوان “جحا والأفندي: شخصية من طريق شينجيان إلى أنحاء الصين” يبين فيها التبادل الثقافي/ التاريخي الذي انعكس في الأدب الشعبي عند قومية الويغور. إلى ذلك ترك الإسلام أثره العلمي في الحضارة الصينية في مجالات علم الرياضيات والفلك والطب والصيدلة والهندسة المعمارية والهندسة الآلية. عُنيت دراسة أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة قناة السويس كرم حلمي فرحات في تفحص أثر العلوم الإسلامية في الحضارة الصينية.

استندت السياسة الخارجية الصينية في روابطها مع العالم العربي إلى مبادئ الاحترام المتبادل لسيادة الدولة الوطنية والتعامل على أساس المساواة والمنفعة. وتجلت مظاهر هذه “الإستراتيجية الناعمة” في الإعلام والسياسة والاقتصاد. وفي سبيل الإضاءة على البعدين الإعلامي والاقتصادي، نشرت في الكتاب دراستان: الأولى “الإعلام الصيني في اللغة العربية” للباحث المصري المختص في الشؤون الصينية حسين إسماعيل، والثانية “نفوذ اقتصادي ولين سياسي: السياسة الخارجية الصينية تجاه العالم العربي” للأكاديمي المصري عاصم أبو حطب. وتحت عنوان “الإسلاميون في الصين: حدود التأثير على العلاقة مع العالم العربي” تطرقت الباحثة المصرية في الشؤون الصينية نادية حلمي إلى النشاط المتطرف لحركة تركستان الشرقية، وناقشت الموقف الرسمي وغير الرسمي للعالم العربي تجاه الإسلام السياسي في الصين.

تُعد الصين البالغة مساحتها (9.6) ملايين كيلومتر مربعاً من بين أكبر القوى الاقتصادية في العالم، وهي من بين الأقطاب العالمية الأشد تأثيراً في السياسات الدولية. وفي المقابل تواجه مخاطر داخلية عدة في طليعتها الإسلام المتطرف في منطقة شينجيانغ ذاتية الحكم. وقد تفاقم هذا الخطر مع التحاق أبناء من أقلية الويغور بـ”حركة شرق تركستان الإسلامية” التي تقاتل في سوريا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل