كيف تجالس “فاتك المتسلط” في حين يتسلل خلسة “سليم الديك” ليسرق منا اللحظة؟ هنا “الشخص” لكنه حي يتكلم يضحك يغضب يخرج من الجماد ولا يخاف، هنا “مولانا الوالي” لم يأخذه النوم الى قعر البير فاحتفظ بالختم ليبصم في تاريخ الفن اللبناني العريق اسماً من نار وماء، من غضب وحنان، من حب وشغف، انسان وفنان ليكون ذاك الرجل المبدع في أشخاصه ورجاله، هنا انطوان كرباج.
لم ينس انه ابن الضيعة، زبوغا، تلك القرية النائمة على كف صنين، ما زال منه الكثير العالق وسط الطريق هناك عندما كان ينتظر فجراً البوسطة، وهو ابن الثامنة ليذهب الى كفرعقاب ليوصل سلة تين لخالته، أو حين ترسله والدته الى دير الراهبات في زرعايا ليشتري الحليب وليقطع سيراً واديين سحيقين حاملاً البعقور سلاحه الوحيد في وجه الكلاب الشاردة “يا ربي يا ربي هالوديان شو آكلة شقفة من إجريي”، لكن من أين اتى ذاك الصبي الشقي الشجاع بذاك الصوت الاستثنائي وتلك الموهبة التمثيلية النادرة؟
انطوان كرباج الذي وإن هاجرته كروم العنب ومعصرة الدبس في زبوغة لكنها لم تحرره من الحنين، ما زال ابن الضيعة، “يا الله ع الايام يا الله يا الله” هكذا يستحضر ربه عند كل محطة كلام ويتذكّر، “تصوري بهيديك الايام الصعبة جدي الماروني العتيق سمح لابنته الزواج من غير دينها، خالتي واولادها دروز تصوري شو حلو هالشي” لكن كيف اكتشف ابن الضيعة موهبته التمثيلية وكيف وصل الى مسرح منير ابو دبس في قلب المدينة يوم لم يكن أحد بعد سمع بالمسرح؟ يضحك الاستاذ “آه هيدي فيها سر هيدي بالجينات، جدي كان معروف عنه انو كان يترك البيت لسنوات وتختفي أخباره تماما وهونيك بالغربة تزوج ستي السويدية الاصل، وكان يرجع بعد طول غياب متنكراً فيفضحه كلبه، كان يحب هذا الاداء التمثيلي وانا ورثت هالموهبة من جيناته”.
في التاسعة من عمره، لم يكن في لبنان بعد مسرح، كان يجمع أولاد الحي أمام باحة المنزل ويوزع أدواراً مفترضة عليهم، ومع الوقت تحولت لعبة البيت بيوت الى اداء جمع من حوله أهل الضيعة وسمع أول تصفيقة على فيراندا منزله في زبوغا، صارت الفيراندا مسرحه الوحيد، وصارت رواياته الصغيرة سيناريو ذاك الزمن ومن الفيراندا عبر الى مسرح الحلم حيث حيّك حكايته الكبيرة.
بداية لم يكترث منير ابو دبس رغم انه كان تلميذاً في معهده، “انا بالاساس تخرجت من دار المعلمين واختصاصي كان التاريخ لكن نصحوني انو لازم التحق بمعهد التمثيل وهيك صار”. حين قصد المعهد للمرة الاولى فوجىء بمجموعة شباب وصبايا يجلسون صامتين فظن انهم يحضرون الارواح، ثم أخبروه لاحقا انهم يتحضّرون لاداء أدوارهم على المسرح، الى أن تعرّف اليه ابو دبس وانطلقا معاً في الاعمال المسرحية الجادة. يخبر حكاية طريفة من صباه حين كان كل صباح يمرّن صوته ويبدأ بالصراخ عاليا فظن جيرانه في عين الرمانة انه مجنون، لكن “المجنون” في المسرح تعرف لاحقا الى أسياده فكان ريمون جارة وانطوان ولطيفة ملتقى ومادونا غازي وغيرهم وغيرهم “يا الله شو كان في ابداع ومبدعين بهالبلد، تصوري وصلنا بلبنان انو يصير عنا خمس فرق مسرحية تعمل كل ليلة ويجوا حتى من القاهرة تـ يحضرونا وين المسرح اليوم؟ بعد في مسرح بلبنان؟”.
كيف التقيت بالرحابنة وفيروز؟ يبتسم، هذه قصة اخرى مختلفة، قصة صنعت له مجداً استثنائياً، وادخلت الى المسرح الرحباني الصوت الهادر والحضور المدوي، يهز برأسه “اسمعي هالخبريي، تعرفت عليهم من خلال منير ابو دبس بناء على طلب عاصي ومنصور وعزمونا ع العشا، وصلت وكنت مستحي ومرتبك تطلّع فيي عاصي واذ يفاجاني بردّة زجل من العيار الثقيل، ردّيت عليه بعيار أثقل فصرخ: منصووووور جايبلي انطوان كرباج؟ حدن بيجيب الدب ع كرمو؟ ومن هون انطلقنا، مع الرحابنة كانت أحلا الايام”. عندما مثّل دور الحاكم الصامت في مسرحية “الشخص” ظن الجمهور انه تمثال مستنسخ عن انطوان كرباج، ولم يصدقوا انه هو ذاته الا في العرض الاخيرة حين وقف وسط المسرح وأخبرهم ان “الشخص هو أنا بلحمي ودمي”.
عندما مثل الضابط الروماني في مسرحية بترا كرهه الناس ومع ذلك صفقوا له بحرارة، كان تصفيقا ممزوجاً بالشتيمة خصوصاً حين كان يقول لفيروز في المسرحية انه قتل ابنتها، استغرب الامر الذي تكرر في بيروت والاردن وسوريا، الى ان سمع عاصي يقول لاخيه “منصور هيدي اول مرة بمسرحنا ما بيزقفوا للنص انما للممثل”.
علاقته بفيروز كانت مترفعة دائماً، يحبها يتحدث عنها كمن يحكي عن طائر جميل يحلق لوحده في سماء ما “فيروز، فيروز رائعة، كانت تحبني وتحترمني كتير كممثل، كنت اطلع لعندا زورها بالرابية وتفرح فيي وتطلب انو ضل اطلع من وقت للتاني وتقلي انا بنبسط فيك كتير، بس من فترة ما عدت طلعت وهي قررت تحبس حالها ببيتها”.
تسأله عن سليم الديك، اللص رئيس العصابة في مسلسل “من يوم ليوم” للرحابنة، يضحك “هيدي أهضم شخصية حبوها الناس لدرجة انهم كتبوا على حيطان بيروت نحنا معك سليم الديك”، وعندما تسأله عن اتقانه المطلق لاداء ادوار الشر يبتسم “اصحاب القلوب الطيبة هم الفارغون من كل شر ويتقنون تمثيل ما ليسوا هم عليه فعلا وانا هيك”.
“لم آت الى المسرح والتلفزيون الا لاني عاشق لمهنتي ولا احب لقب النجم، أصبح مبتذلاً، ولست راضياً عن المستوى الفني، أين مسرحنا اين لبنان اليوم؟” يسأل بمرارة. في مسلسل “البؤساء” ذهب الى فرنسا ليأتي بالثياب الخاصة بحقبة الثورة الفرنسية وقد تلقى دعوة رسمية من باريس للقيام بذلك، وشكّل دوره ثورة انذاك اذ تقمص شخصية “جان فالجان” وتغلب بادائه العملاق على الممثل الفرنسي الشهير جيرار ديبارديو الذي لعب الدور اياه في فيلم فرنسي.
لماذا انت مقل في المسلسلات رغم كثرة الانتاج؟ لا لا لا، يجيب بغضب، “عم كب السيناريوهات لـ بتوصلني، ما فيها مستوى، بعدها الناس لليوم بتندهلي بربر آغا، منشان هيك ناطر قصة جديدة من كتابة انطوان غندور بعنوان “اعدام قبل طلوع الفجر”.
كيف لرجل حر مماثل ان يبني علاقة متينة برجال السياسة في لبنان؟ “رجال السياسة بلبنان؟ هودي رجال النجاسة وليس السياسة” يقول بغضب كبير “ثروتنا الكبيرة تاريخنا، تاريخ لبنان حامل تاريخ العالم كلو، شو عملوا بتاريخنا؟ نهبوا مقدرات لبنان، دمرونا وحولوا البلد لمزبلة، وانا لا علاقات خاصة لي مع احد منهم”. نسأله بالاسماء عن بعضهم، وليد بيك؟ “كانت علاقتي به وطيدة لكنها الان مقطوعة”. ميشال عون؟ آخ آخ آخ منو…”. “حزب الله”؟ ابدا ما بحكي معهم، انا اكره الاحزاب الطائفية، الله ليس عنده احزاب، حتى الله ادخلناه في السياسة فصار له حزباً معقول؟ الله خالق الكون ندخله في زاروب الحزب هيدا امر غير مقبول. سمير جعجع؟ لا علاقة بينا مع اني كنت من اكثر المتعاطفين معه حين كان معتقلا، انا بشكل عام يائس من كل الطبقة السياسية ولا علاقة لي مع احد منهم، انا مع الثورة الحقيقية التي لا تحركها مصالح السياسيين الخاصة. نحن نستحق الاستقلال ولكننا لم نعرف كيف نحافظ عليه”.
بحنان كبير وسعادة يتحدث عن عائلته، ابنائه، احفاده السبعة “زينة الحياة” كما يقول، هل سلبه شغف المهنة الاهتمام بالعيلة؟ “ابدا انا انطلقت من عيلتي للخارج” وهل ثمة انطوان كرباج اخر في العيلة؟ “لا كرباج اخر على مستوى التمثيل انما في الرسم هناك ابني مازن هو مبدع”. يضيء وجهه عندما يروي حكايات أحفاده وحفيداته، يتحوّل طفلاً صغيراً يتحدث بلغتهم، يدلنا الى صورهم، يتفرج على تذكاراته والاوسمة التي حصل عليها في تاريخ ابداعه، سعيد انه سيذهب وزوجته الصحافية والرسامة لور غريب لقضاء عيد الميلاد جميعا في برلين حيث ستجتمع كل العائلة.
لو كان الوطن لا يزال وطنا لقلنا أن ثمة مبدعاً فيه من بين مبدعيه الكثر اسمه انطوان كرباج، هو صورة الوطن الكبير، وطن الحلم اللامحدود والابداع اللامحدود وهؤلاء وهو شعاع من شعاعه، لكن لا الوطن وطن ولا الابداع فيه يشع، لذلك يبقى انطوان كرباج وامثاله، يغردون خارج سرب تلك المنظومة، لكن حسبه انه في قلب الناس والابداع تاريخ من تاريخ والتاريخ سيبقى انصع شاهد يا وطن، يا استاذ انطوان..
