
عشية الذكرى السنوية لاستقلال لبنان، لا بد من جردة حسابية لمَ للإستقلال الحقيقي لوطن اراد ابناؤه يوماً، التحرر من الإستعمار ووصاية الانتداب من خلال صيغة عيش وتعايش سلمت بخصوصيات وميزات العائلات اللبنانية الحضارية والدينية، وصهرتها في بوطقة كيان لبناني واحد موحد وجامع، تأسست على أثره دولة لبنانية أعطيت لها كل مقومات النجاح والتقدم.
فالمتعارف عليه أن استقلال الدولة يعني في المفهومين السياسي والسوسيولوجي، تمتع الهوية والمجتمع بذاتية كيانية تجعله يحكم نفسه بنفسه ويدير عبر ممثلي الامة وحكام الشعب، شؤون وشجون ومصير اهل الارض في ظل سلطة وقانون ودستور، وحتى ولاء مطلق…
أبرز ما تطالعنا به المراجعة الحسابية لحال لبنان منذ العام 1943 وعلى مرّ مراحل حياته الوطنية وصولاً الى العام 2005 وما بعده الملاحظات التالية:
اولاً: اثبتت التجارب المتتالية أن الاستقلال في لبنان لم يكن الا استقلالاً مادياً، فيما روح الإستقلال عانت ولا تزال تعاني الى يومنا هذا من إشكالية الولاء والتبعية لهوية هذا الكيان، فالى الآن لم يتفق اللبنانيون على صيغة تجعلهم جميعاً اكثر التصاقاً بالهوية اللبنانة ومتطلبات الكيانية الوطنية. لن نغوص في المحطات التاريخية الكثيرة المثبتة لصحة كلامنا هذا، بل سنكتفي بمحطتين أساسيتين: المرحلة التي تلت العام 1990 وما شهدتها من تسليم قسم من اللبنانيين بالتبعية والولاء للاجنبي المحتل، لدرجة أن البعض ارتضى لنفسه أن يتحول الى اداة تقسيم وانقسام بين اللبنانيين، فكان ما كان من حكومتين ودولتين وصولاً الى تكريس وضع اليد السورية على مقدرات البلاد ودخول لبنان كله في عصر أسود من الاضطهاد بعد سقوط استقلاله الحقيقي.
اما المرحلة الثانية فهي التي تلت العام 2005 حيث قابل إقرار واعتراف فريق كبير من اللبنانيين بنهائية الكيان اللبناني وباولوية لبنان اولاً، إنحراف قسم آخر من اللبنانيين نحو استمرار الولاء للخارج المحتل والذهاب الى حدّ المواجهة مع الشريك الآخر في الوطن … فانتفت مقومات روحية الاستقلال وسقط لبنان الدولة والكيان والسيادة في لعبة تقسيم النفوس والمناطق.
ثانياً: مع ضعف الدولة في حماية ابنائها كافة، لاسباب عدة، برزت عبر محطات تاريخية أساسية أخرى النزعة الى الأمن الذاتي، وبالتالي النزعة الى الإنشقاق من البوطقة اللبنانية الجامعة، فراح كل فريق يبحث عن استقلالية له تقيه اخطار الزوال او الابادة. ولعل حرب 1975 أبرز مثال على كيفية انهيار الشعور الوطني المستقل والسيد وتحول الدولة الى دويلات واقعية غير معلنة، وكان ما كان… فسقط الاستقلال مرة ومرات ولا يزال يترنح الى ايامنا هذه بفعل تفوق الشعور بالحماية الذاتية على الشعور بالانتماء لدولة تحمي وتصون.
ثالثاً: لا يمكن لاستقلال أن يقوم إن لم يشعر جميع ابناء الوطن بان في استقلاله استقلال لكل منهم، وفي سيادته سيادة كل منهم، وفي هويته هوية كل منهم، إذ لا يمكن تصور استمرار مسيرة استقلالية في حين نجد النفوس غير مستقلة لانها لا تزال تحت تاثير موروث ثقافي وعقائدي وانتمائي أشمل من الكيان اللبناني، يرى في لبنان نقطة انطلاق وجودية لا نقطة انتهاء او الهدف الاسمى، وفي هذا السياق نستحضر كلام للرئيس بشارة الخوري الذي في خطابه الاستقلالي في 21/9/1943 ما حرفيته:
“… إننا لا ننسى اياً من صداقاتنا وتقاليدنا، ولكننا نعلم أن الصداقة الحقيقية لا تتعارض أبداً وحقنا في الاستقلال ولا تتعارض كذلك مع إرادة شعب فخور بحريته…. هذا الوطن اللبناني الذي نضع حبه فوق كل شيىء” …. (من كتاب الدكتور ادمون ربط – الوسيط في القانون الدستوري – الطبعة 1970 – ص 434 وما يليها – دار العلم للملايين).
فأين أصبحنا اليوم كلبنانيين من هذه المسلمات الاستقلالية، وقسم منا لا نراه يبالي الا بالولاء والتبعية للخارج سواء القريب او البعيد، وسواء الشقيق او الصديق؟
لابل أين اصبح اللبنانيون اليوم من كيانية وطنهم وسيادته وقسم منهم لا يرى مستقبلاً له الا ببقاء او استمرار معادلات الخارج بدل النظر الى تقوية واستمرار معادلات الداخل؟
الاستقلال ليس رفع علم والتغني بنشيد وطني ليوم واحد في السنة، بل هو قبل اي شيىء فعل ايمان بالارض التي تحتضننا وبالارث الثقافي والتاريخي والحضاري الذي يجمعنا، فاذا انتفى هذا الايمان فلا استقلال في النفوس واذا بطل الاستقلال في النفوس بطل الاستقلال “النظرة” الى الوطن. فالاستقلال الناجز إن اردناه يتطلب منا ان نجسد كلمات مطلع نشيدنا، فعلاً وممارسة يومية، بأننا كلنا للوطن للعلى للعلم… وهنا يصح القول “كلنا يعني كلنا”.
