إفتتاحية المسيرة: لا تسوية على حساب الحرية

افتتاحية “المسيرة”: العدد 1535 

“التسوية الشاملة” التي دعا إليها السيد حسن نصرالله، بدت لوهلة أولى بالنسبة للبعض وكأنها مشروع انفتاح وتعبير عن رغبة بكسر الجمود القاتل.

لكن أياماً قليلة كانت كافية لتبيان مدى الجدية في هذا الطرح المختصر والملتبس أساساً.

لم يصدر أي موقف توضيحي أو تفسيري من قبل مسؤولين في “حزب الله”  أو نواب في كتلته، بل إن رئيس الكتلة محمد رعد قلل من أهمية الدعوة إلى التسوية، إذ اعتبر أن لا جديد في ما قاله الامين العام للحزب عن الدعوة إلى تسوية شاملة، فقد سبق له أن وجه دعوة مماثلة.

في الأصل، وبمعزل عن حقيقة النوايا، فإن الكلام على تسوية شاملة لا يستقيم من دون البحث اولاً في شروط التسوية. فالتسوية ليست اتفاق إذعان أو تسليماً بمعادلة يختل فيها التوازن لمصلحة فريق وعلى حساب فريق آخر.

التسوية الفعلية والجدية تكون بين طرفين يقاربانها بإرادة حرة وعلى قاعدة التوافق والتنازلات المشتركة، وليس على أساس فريق يستقوي بالسلاح والمال والنفوذ والدعم الخارجي ليفرض رؤيته الخاصة للتسوية.

أما وصف التسوية بالشاملة، فهو يزيد الأمر غموضاً. فإيجاد حلول للقضايا والاستحقاقات العالقة شيء، والسعي إلى تغيير الميثاق والعقد الإجتماعي بين اللبنانيين تحت عنوان تغيير الطائف او تعديله ، أو محاولة جر الآخرين إلى مؤتمر تأسيسي شيء آخر.

وماذا يريد اللبنانيون في هذا الظرف الاستثنائي البائس؟ يريدون بكل بساطة دولة وأمناً واستقراراً وازدهاراً. ولا حاجة لاستنباط  طروحات خيالية أو تعجيزية أو غير منطقية.

الميثاق الوطني واضح. الدستور واضح. آليات الاستحقاقات الدستورية والديموقراطية وعمل المؤسسات واضحة، فلم اللعب على الوقائع وعلى المنطق؟ لا بل ليس أسهل من أن ينزل جميع النواب إلى ساحة النجمة، وحتى من دون دعوة من الرئيس بري لانتخاب رئيس للجمهورية، وليس أسهل بعدها من انطلاق عملية التغيير الحكومي، وليس اسهل من عودة المجلس إلى التشريع والمراقبة والمساءلة، وليس أسهل من بدء التشريع بالتركيز حصراً على قانون الإنتخاب، وهو في أصل تكوين المجلس النيابي وبالتالي في أصل تكريس الديموقراطية من خلال أم المؤسسات.

إن الانشغال بالتحايل على مفاهيم الدولة والسلطة والقرار، لتبرير الخروج عن الدستور وعن القانون، رهانات لن تؤول إلا إلى مزيد من الخيبات لأصحابها وللبنان ككل دولة وشعباً.

هذا المشهد بمختلف صوره يقود إلى قناعة واحدة: الحرية هي جوهر لبنان، حرية الجماعات والأفراد، وعدا ذلك لا معنى لكل تسوية فيها ترغيب أو ترهيب، أو استقواء او ابتزاز، وأي تسوية على حساب الحرية مصيرها الفشل قبل أن تولد.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل