غلطة أنجيلا ميركل

تواجه الآن المستشارة ميركل نقًدا واسًعا لتحمسها العجيب في دعوة ألمانيا وأوروبا أيًضا لفتح أبوابها على مصاريعها للاجئين. وها هي الآن تتراجع عن كلماتها وتسرع لإغلاق الأبواب. ما الذي أوقعها في هذا الخطأ؟

يوجد في ألمانيا الآن نحو أربعة ملايين مواطن تركي الأصل. وكانت تجربة ألمانيا معهم تجربة ناجحة جًدا. لم يأتوا كشحاذين ولاجئين ليصبحوا عبًئا على الخزينة والخدمات. جاءوا عمالة وافدة٬ عمالاً ماهرين ومهنيين أسهموا في بناء ألمانيا بعد الحرب٬ وأغنوا الاقتصاد الألماني بنشاطهم. والمواطنون الأتراك أبناء أتاتورك ويحملون أفكاره التقدمية والمتطورة. تركيا أول دولة مسلمة تبنت الحياة الدستورية البرلمانية منذ عام 1908. وسيماؤهم وألوانهم مقاربة للألمان٬ فلا يواجه أولادهم مشكلة في الاندماج مع أولاد الألمان والمجتمع الألماني. قلما تستطيع أن تميزهم عنهم. وهم يستعملون الحروف اللاتينية كبقية الأولاد. ولا يتشنجون عندما تشرح لهم المعلمة نظرية التطور٬ فهم يدرسونها في تركيا.

وتميز الأتراك في حياتهم في ألمانيا بالنظافة واحترام النظام وحسن السلوك. لم نسمع الألمان يشكون منهم في هذا الخصوص٬ وربما نكتشف أن نسبة جرائمهم ومخالفاتهم أقل مما يرتكبه الألمان. أيد ذلك لي كل من التقيت به من ألمان أو متغربين عرب في ألمانيا. ولم تنتشر في تركيا منظمات إرهابية ضاربة٬ كالإخوان المسلمين٬ تمجد العنف وتدعو للإرهاب والثورة والانقلاب. ومما يلفت النظر بوضوح أن جماعات «داعش» و«القاعدة» لم يجدوا بين أتراك ألمانيا حاضنة مناسبة لأفكارهم الجهنمية. ولم أسمع حتى الآن عن مواطن مسلم تركي يخوض فيما يخوضون فيه من قاذورات وأوحال أو يشارك في نشاطهم في أوروبا أو المشرق.

فضلاً عن ذلك٬ هناك خلفية صداقة تاريخية تربطهم بألمانيا. فمنذ القرن الـ19 ظلت تركيا حليفة للمحور٬ وحاربت معهم في الحرب العظمى. اختلط دمهم بدم الألمان

في ساحات القتال. ليس للأتراك حزازات كراهية نحو أوروبا كما لدولنا العربية٬ فالأوروبيون لم يحتلوا تركيا٬ بل العكس٬ كانت هي التي احتلتهم وحاصرت فيينا. لم يعانوا من وعد بلفور وعقدة فلسطين والانتداب وحرب الجزائر وخسارة الأندلس. ولهذا يجد المواطن التركي نفسه في ألمانيا بين أصدقاء وحلفاء٬ وكذا يشعر الألمان نحوهم.

يظهر أن مستشاري ميركل لم يشرحوا لها كل ذلك ويبينوا لها أن المسلمين الأتراك الذين عرفتهم في ألمانيا يختلفون عن بقية المسلمين. ولا تشكل تركيا غير جزء صغير من العالم الإسلامي الذي يمتد من الصين إلى أفريقيا الغربية. ولكل جزء منه سيماؤه وتراثه وتاريخه وتجاربه وأفكاره الدينية ومستواه الحضاري وتطلعاته.

وهذا في رأيي سر الخطأ الذي وقعت فيه المستشارة الألمانية على غير ما اعتدناه منها من رجاحة العقل وبعد النظر. ولكن لكل إنسان خبرته ومعرفته مما يجد حوله

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل