لا يسع المراقب أن يتجاهل النقلة النوعيّة في الخطاب السياسي للسيّد حسن نصرالله، وما سُمّي “مبادرة” في إطلالتيه الأخيرتين قبل تفجيريّ برج البراجنة وبعدهما.
وما يضاعف الاهتمام بهذا الخطاب هو اعتماده لغة الشرعيّات الثلاث اللبنانيّة والعربيّة والدوليّة، بعد طول عداء وجفاء، وبعد اعتماد لغة الحرب والكسر والغلبة على مدى عقد من الزمن، على الأقلّ.
فالشرعيّة اللبنانيّة، منذ الاستقلال، تفرض الأخذ بمبدأ التطوير أو التغيير السلمي بالآليّات المدنيّة والديمقراطيّة وليس بقوّة السلاح والثورة والانقلاب، كما جرّب “حزب الله” مراراً.
والشرعيّتان العربيّة والدوليّة تدعوان بإلحاح إلى تطبيق الدستور اللبناني واتفاق الطائف وقرارات مجلس الأمن الدولي الخاصّة بلبنان، وتحضّان دائماً مجلس النوّاب والقيادات السياسيّة على إحياء المؤسّسات الدستوريّة بدءاً بانتخاب رئيس للجمهوريّة كأولويّة لا بدّ منها.
وقد كان البيان الأخير الصادر قبل يومين عن مجلس الأمن شديد البلاغة والوضوح، بحيث يمكن اعتباره خريطة طريق حاسمة للخروج من الأزمة اللبنانيّة.
وبات من الضروري تلمّس مدى التحوّل الإيجابي في خطاب نصرالله، ومن ورائه إيران، نحو هذه الثوابت اللبنانيّة العربيّة الدوليّة، وما يجوز وصفه بـ”إعادة اللبننة”.
فعلى هذه الثوابت التي تضمّنتها الخريطة الأُمميّة يجب قياس “المبادرة الإيرانيّة” على لسان الأمين العام ل”حزب الله”، وليس على أيّ شيء آخر.
فهل الدعوة التي أطلقها إلى تسوية سياسيّة شاملة تعي هذه الأصول فعلاً، أم أنّها تُضمر في طيّاتها غايات أُخرى طالما أفصح عنها مواربةً أو مباشرةً، ومنها نسف الطائف بما فيه من توازنات ومناصفة وتغيير أسس الميثاق والصيغة التاريخيّين؟ أم أنّها مجرّد ورقة إلهاء في الزمن الضائع لتقطيع فترة ما قبل المرحلة الانتقاليّة في سوريّا والمنطقة، والتي ما زالت غامضة على طاولة فيينا؟
لا شكّ في أنّ “المبادرة” تفتح على الأقلّ بداية نقاش لسبر غورها وحقيقتها، وقد بدأ النقاش فعلاً ولو من باب التصريحات عن بعد، قبل أن ينتقل إلى الحوارات الثنائيّة والجماعيّة.
وتحليل دوافع “المبادرة” وخلفيّاتها، سواء كانت ناتجة عن الاستدراك المسبق للحلّ في سوريّا، أو الإنهاك الذي حلّ بـ”حزب الله” والتمهيد للانسحاب أو أيّ حسابات أُخرى، لا يُنقص ولا يزيد في مدى صدقيّتها أو هوائيّتها.
ولكنّ التأسيس عليها ضروري، لأنّها تقطع مع مسار صدامي طويل. ويكفي أنّها تعتمد منطق التسوية المرادف لمعنى وجود لبنان.
وفي المنطق أنّ كلّ تسوية تعني تنازلات متبادلة للإلتقاء في الوسط. والوسط يعني التخلّي عن طرفَي الأزمة. وهذا يتجلّى حكماً في موقع رئاسة الجمهوريّة. فلا يُعقل أن يدعو نصرالله إلى تسوية سياسيّة ويريد في الوقت نفسه فرض مرشّحه للرئاسة.
ولعلّه يدرك جيّداً استحالة التسوية حول ميشال عون، وصعوبة تخلّيه عنه في الوقت نفسه، فأوعز مباشرةً وعبر دمشق وطهران بتقرّب سليمان فرنجيّة من سعد الحريري، في عمليّة مشابهة لتقرّب عون سابقاً، على قاعدة “المكان يعُيد نفسه”، أي باريس لمثل هذه اللقاءات.
والهدف ليس تسويق فرنجيّة عند الحريري والسعوديّة، فهذه مسألة شبه مستحيلة بفعل التصاق الأوّل بالأسد. ولا يُعقل أن يأتي رئيس ذاهب برئيس آتٍ، إلاّ في حالة الانفكاك السياسي الفعلي عن رئيس يبحثون له عن حماية أو منفى، أو دور ثانوي في أفضل الأحوال.
الأرجح أن الإيعاز لفرنجيّة بالانفتاح على الحريري ينطلق من الرغبة في وضعه أمام عون كحالتين متصادمتين ضمن الفريق الواحد، فيكون المخرج باستبعادهما معاً، وتكون إذذاك “تسوية” نصرالله قد بدأ تطبيقها العملي بمرشّح توافقي.
فلا غرابة في أن تكون معادلة عون – فرنجيّة مفتعلة لتأمين خروج “حزب الله” من “مأزقه الرئاسي”.
وفرادة لبنان أنّه يبقى مختبراً إنسانيّاً عالميّاً، يستطيع تذويب أقسى الأجسام وأعتاها ك”حزب الله” وسواه، بشهادة الأُمم في مجلس الأمن.
وها هي مواقف الحزب العقائدي الديني الحديدي تبدأ بالتحلّل والترهّل أمام حقائق لبنان والعرب والعالم، ولو بمفردات اللغة والعودة إلى نهج التسوية.
وهكذا يكون نصرالله قد بدأ يعترف بالشرعيّة الثلاثيّة فوق “شريعته” الأحاديّة.