«المرض الوهمي» كما يدلّ عليه الإسم، مرض موجود في عقل المريض فقط، ولهذا تطرّق إليه الطبّ النفسي ليحدّد أسبابه وسبل الشفاء منه. وللتوسّع أكثر في الموضوع، شرح الدكتور نبيل خوري، الأخصائي في علم النفس العيادي، تفاصيل هذا المرض، قائلاً: «المرض الوهمي هو شعور الإنسان أنه يمرّ بعوارض صحّية، متلازمةً مع أوجاع أو أحاسيس غير مألوفة جسدياً من الرأس حتى أخمص القدمين.
ويرتكز هذا المرض من حيث المبدأ على الـ«Hypocondria» أيْ الخوف الدائم من الأمراض، وتصوير كلّ شعور بالألم أو التنميل على أنه ظاهرة مرضية، ويضخّم المريض هذه الأفكار في دماغه إلى درجة أنه يستشعرها نفسياً، فتنعكس منها أحاسيس ومشاعر جسدية فعلية منسجمة مع الحالة المرضية التي شكّ في أمرها».
مضيفاً: «وهذه الحالة تدفع المريض إلى الشعور بعوارض جسديّة من دون أن يكون هناك وجود فعلّي لها، وبالتالي فهي مجموعة أوهام تؤثر فيه لدرجة أنه يصبح غير قادر على الإنتاجية أحياناً».
أسباب المرض الوهمي
أمّا عن أسباب المرض الوهمي فيعدّدها خوري كالآتي:
– تكرار عمليات الأمراض في فترة الطفولة
– مرور الشخص بمراحل اهتمام عائلي كثيف وقوي، فيجعله مرتاحاً لدلال ودلع العائلة ما يدفعه لتضخيم عوارض المرض، ويشرح هذه الفكرة، قائلاً: «يكون الطفل مثلاً مرتاحاً في غرفته، وعند دخول والدته يبدأ بالبكاء قائلاً: «اصبعي واوا… بوسيلي الواوا»، وذلك للحصول على أكبر نسبة إهتمام. ويمكن أن ترافقه هذه الحالة لفترة زمنية أكثر من العمر المفروض أيْ فوق الـ7 سنوات وذلك بسبب الإفراط بالإهتمام من قبل الأهل.
– الأهل الذين يعيشون حالة أمراض أولادهم بمبالغة في ردود الفعل العاطفية والاهتمامية، ما يولّد للطفل إحساس دائم بعدم الحصانة، تجاه ما يمكن أن يطرأ عليه من عوارض مرضية ومشكلات وتعقيدات تدخل معه فترة المراهقة لدرجة الخوف من المرض وتكريس كلّ شعور يخرج عن المألوف وكأنه حالة مرضية.
وعن التحسّن الممكن في هذه الحالة المرضية يقول د. خوري إنه: «في عمر الـ20 إلى سنة 30، إذا كان وضع الشخص النفسي سوياً، أيْ أنه لا يعاني من إضطرابات قلق أوعصبية، يمكن أن تتحسّن حالته، لكن في حال ترافقت معه هذه العوامل فقد تتطوّر إلى الأسوأ». مشدِّداً على أنّه «في عمر الـ40 غالباً ما قد يعود ويستيقظ «المرض الوهمي» بسبب الوضع الدقيق للشخص في هذه المرحلة العمرية، خصوصاً إذا كان يعاني من مشكلات صحّية كالسكّري أو مشكلات شرايين وغيرها».
ويشير إلى أنه يتمّ وصف دواء خاص للمرضى الوهميين، وهو في الحقيقة ليس سوى دواء وهميّ لا يحتوي على مركّبات كيميائية معقّدة ويطلق عليه في الوسط الطبّي إسم «Placebo» (بلاسيبو). وعن التفاصيل العجيبة لهذا الدواء، يخبرنا د. خوري أنّ «البلاسيبو لا يوصَف فقط للمرضى الوهميين، إذ إنّ المرضى الفعليين يمكن أن يشعروا بتحسّن لدى تناولهم البلاسيبو إلى كون أنّ الدواء يريحهم ويمنحهم ما يسمّى بالـ placebo» effect».
للابتعاد من التوهّم المرضي
نصائح عدّة يجب اتبّاعها للابتعاد من عوارض التوهّم المرضي بحسب دكتور خوري، الذي يشرح: «على الكبار أن يعطوا اهتماماً لكلّ حالة مرضية قدر ما تستحق. كما يجب أن يبتعدوا من المبالغة في تصرّفاتهم أمام أولادهم لكي لا يكتسبوا هذه التصرّفات ولكي لا يصابوا بحالٍ من الهلع الدائم، مضيفاً: «إذا رأى الطفل والده يكثر من تناول العقاقير فيصبح هو بدوره بحاجة للدواء كلّ ما دعت أو لم تدع الحاجة».
امّا عن العلاج من التوهّم المرضي، فيقول: «المرض الوهمي لا يشفى لوحده لذلك يجب معالجته نفسياً بإخضاع المريض لعلاج نفسي سلوكي إدراكي حيث يكون الاتكال على ادراكه لتغيير سلوكه العام.
Placebo الدواء الوهمي
البلاسيبو كلمة لاتينية تعني «I Shall Please» (يجب أن أرضي)، وهو دواء وهمي فعّال وله دور مهمّ في السيطرة على بعض الأمراض الوهمية، والفعلية أحياناً.
وعن طبيعة هذا ومفعوله، تخبرنا الدكتور باسكال أبو سليمان، الإختصاصية بالأمراض الباطنية والتجميلية، عن هذا الدواء، وتقول: «البلاسيبو هو العلاج بأدوية لا تحتوي على أيّ مواد علاجية فعّالة، ويمكن أن تكون على شكل حبوب دواء، عمليات جراحية وهمية، أو حقن. قد نستعمله مثلاً في المستشفى في بعض الحالات، مثلاً إذا وصفنا للمريض عدداً من الأدوية دون أن يتجاوب معها الأخير رغم فعاليّتها فنلجأ عندها إلى البلاسيبو».
وتشرح: «في إحدى الدراسات، أجرى الأطباء تجربةً علمية حيث قاموا بتخدير بعض المرضى وتهيئتهم نفسيّاً لعملية جراحية حقيقية في الركبة، ولكن كلّ ما حدث هو تخديرهم وإحداث جرح بسيط في المكان المُراد علاجه ثمّ خياطته من دون فعل أيّ شيء. وكان من المدهش تسجيل نسبة شفاء كبيرة عند المرضى بعد إخضاعهم لهذه العملية الوهمية، توازي بنتائجها العملية الحقيقية. وهذا ما يُسمّى بالـ «Placebo effect».
أمّا عن طريقة عمل البلاسيبو فتخبر: «لهذا الدواء الوهمي ظاهرة نفسيّة وعصبيّة، لها تأثير حقيقي وملموس ومثبت علميّاً في دماغ المريض، ففي بعض الأحيان يكفي أن يزور المريض الطبيب ليشعر بالتحسّن».
وأضافت: «تأتي نتيجة هذا الدواء الوهمي بحسب التوقعات. فإذا كانت أفكارالمريض سلبية ستكون النتائج سلبية أيضاً». مشدّدةً على دور الدماغ، وتقول: «عند أخذ الدواء الوهمي تدورعملية نفسية بيولوجية في الدماغ، تتسبّب في تغيّرات كيميائية تساوي تأثير الدواء الحقيقي. فحال الاعتقاد أنّ الجسم يتناول الدواء الذي سيشفيه تساوي تناول الدواء الفعلي».
مخدّر الدماغ الذاتي
يلعب البلاسيبو دوراً في تحفيز إفرازات الدماغ بحسب د. أبو سليمان، التي تقول: «لدى هذا الدواء القدرة على حثّ الدماغ على إنتاج مادة الدوبامين التي يمكنها أنّ تمثّل المورفين الباطني، وبالتالي يؤدّي الى السيطرة على الألم مثل الأدوية المسكّنة كالعلاج بالمورفين. وكلّ هذه العوامل لا تأتي من حبّة البلاسيبو نفسها، التي لا تحتوي شيئاً بداخلها، بل من العوامل الفيزيولوجية الدماغية».