.jpg)
دعوت الاستقلال الى وليمة قلبي، ظن أنه سيجد أطايب الكلام والاشعار في انتظاره، فاذ بها وليمة نكد بنكد!
إسمع، مذ وعيت على هذه الدنيا وأنا أحمل العلم في 22 تشرين الثاني من كل عام، وأغني مع فيروز وصباح وأنا لا افهم شيئاً مما أغني، والوّح العلم في الهواء وأحياناً أسرقه لاركض به في أزقة الضيعة، كنت أحب الريح حين تلاعبه وتشتت اتجاهاته كنت أشعر اني حرّة طليقة وأنا ادور به كدواليب الهوا ولم أكن لأعرف عمراً انه سيتشتت من دون حتى نسمة عليلة!
منذ الصغر و22 تشرين الثاني محفور في يومياتنا، أولاً يوم تلفزيوني طويل هو الوحيد على مدار السنة ليعود من بعدها “تلفزيون لبنان والمشرق” الى نهجه التقليدي حين كان يفتتح برامجه السادسة مساء حتى منتصف الليل، ثانياً كنا نفرح حين نغني “كلنا للوطن” بصوت عال عال يقارب الصراخ، وأصوات الاطفال الآخرين من كل واد عصا كل يغني على ليلاه، ووالدي مدير المدرسة يبتسم بفرح وتشرق عيناه الزرقاويتان حين نتقدم منه ونسلّمه العلم وكأنه يتسلّم كنز عمره.
وكانت مدرسة الضيعة كنزه الحقيقي خصوصاً قبل نهار العيد بيوم حيث يخصص غالبية الحصص لتدريسنا معاني الاستقلال وبأن “لبنان أحلا بلد بالدني والله عطانا اياه نعمة الاوطان هيدا سويسرا الشرق والله كريم بيرجع أكيد”. وطبعاً لا نفهم ما معنى سويسرا الشرق، والوالد يستفيض سعيداً ومن أعماق روحه بالشرح والتفسير ليصل الى حكاية فخر الدين الثاني الكبير والمير بشير وبشارة الخوري ورياض الصلح، وهنا وقفة، كان أبي معجب جداً برياض الصلح، كان يعتبره أكثر اللبنانيين وطنية ومن أفضل رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا على لبنان، وطبعاً لم نكن لنفهم كل هذا الدفق من المعلومات خصوصا أن اليوم أشرف على نهايته وغداً عطلة الاستقلال ورح نهل ع الريح مع فيروز في اليوم التلفزيوني الطويل كما سبق وذكرنا.
نهار ويعبر نمتلىء في خلاله من كل نفخ ودفق وتهافت الوطنية في قلوب صغيرة لا تستوعب هذا الكم من الوطنية في يوم واحد، لكن لم نكن لنعرف أن النقش في الصغر علّم فينا في الكِبَر وليته لم يفعل!!!
أتّهم أبي وأتهم الاستقلال ومعهم الرحابنة وفيروز!!! أتهمكم جميعاً بالتواطؤ علينا لاختراع وطن حتى اللحظة لم نتعرّف اليه! أتّهمكم أنكم جعلتم منا طعماً للحب جذوة للكرامة، حلم جميل بوطن حلم صورتموه لنا على مقياس أحلامكم وطموحاتكم علها تتحق معنا وبنا بعدما عجزتم أنتم عن تحقيقها.
زرعتم فينا ذاك الانتماء اللامتناهي اليه، قلتم لنا هذا لبنان “حبّوه قد ما فيكن هيدا وطنكن” وفعلنا، ومتنا واستشهدنا وحزنا وفرحنا ذات مرة بذاك الحلم البشير وانهار الحلم وعدنا من جديد، احتلال استقلال استشهاد احتلال وأين الاستقلال؟ لماذا نعشق وهم الصحراء؟ لماذا كلما مددنا أيادينا لقطف ثمرة حبنا تهرب منا وتتناثر كالريح؟ لماذا يجب أن نحب دائما وأن يكون الحب من طرف واحد؟! أنت تدمّرنا!!!
يضحك الاستقلال ولا يجيب، يشرب من وليمتي الغاضبة، هذا قوته بالاساس، الغضب الراقد على الحب، الحب الكبير وهو يعلم أن وقود المناضلين حب أرضهم، ويعلم أكثر أن وطن فيروز والرحابنة هو الوطن الحقيقي وشهداء استقلال لبنان هم الشهود على ذلك. كاسك فيرا يشرب من كأس عيني ويذهب الى المزيد من الحب لاجل استقلاله، هذا حسبه…
