.jpg)
لا شك في أن قانون جديد للانتخابات النيابية ينتج طبقة سياسية جديدة ويؤمن التداول الديمقراطي للسطة من القاعدة الى اعلى الهرم، أمر ملح وضروري وواجب، لاسيما بعد التجارب المريرة التي عاشتها الديمقراطية البرلمانية في نظامنا اللبناني منذ الطائف والى الآن .
فمع التمني بنجاح اللجنة النيابية التي شكلتها هيئة الحوار لتنكب على دراسة أفضل قانون ممكن، مع العلم أن التجارب السابقة لم تكن مشجعة خصوصاً لجهة تعيين اللجان ومصير الملفات المطروحة عليها، لا بد من مواكبة عمل اللجنة والقاء الضؤ على بعض التوجهات:
اولاً: بعدما عجز اللبنانيون عن الالتزام بوثيقة الوفاق الوطني في الطائف، بصورة كاملة وغير مجزأة، فإن أي قانون انتخابي جديد وموضوعي يجب ان ياخذ بالاعتبار ما جاء في تلك الوثيقة، إن لجهة مراعاة قواعد العيش المشترك بين اللبنانيين وإن لجهة تأمين صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وفعالية ذلك التمثيل .
وهنا يبرز تحديين اساسيين أمام اللجنة: إن أي قانون انتخابي عتيد يجب ان يحترم العيش المشترك، الأمر الذي يطرح في ظل الاصطفاف السياسي القائم حالياً في البلاد، اكثر من علامة استفهام وشك خصوصاً عندما نجد فريقاً من اللبنانيين وعلى رأسهم “حزب الله”، لا يتقيد بمتطلبات ذلك العيش، من خلال تفرده في رسم سياساته وقراراته وانخراطه في الاجندات الاقليمية، وبالتالي فإن أي قانون انتخابي يمكن ان يعكس الإلتزام بقواعد العيش المشترك والحزب لا يقر باي اعتبارات عيش مشترك في تحديده، يتجاوز الحدود اللبنانية ويتجاوز الاجماع الوطني الداخلي .
اما التحدي الثاني فهو في أن يسمح الحزب، ببروز شخصيات تمثيل لشرائح لبنانية شيعية معارضة لنهجه وسياساته في مناطق سيطرته ونفوذه، لأن صحة التمثيل تفترض وفق الطائف، التمكن من الإتيان بممثلين لكافة الفئات الشعبية بعيداً عن الاستئثار والاحتكار وفرض الصوت الواحد والمنطق الواحد، الامر الذي يحملنا على طرح سؤال على الحزب عما اذا كان مستعداً للقبول بقانون يوسع قاعدة التمثيل المذهبي والطائفي على التوجهات والانتماءات السياسية كافة، داخل مناطق سيطرته وضمن مجتمعه المذهبي؟
ثانياً: إن أفضل قانون انتخابي لا يمكن ان يأتي بالنتائج المرجوة ما لم يضمن – من بيده السلاح غير الشرعي – قبوله غير المشروط بالنتائج المترتبة على الانتخابات. فتجربة الانقلاب على نتائج انتخابات 2009 لا تزال ماثلة امامنا، حيث كان الحزب وحلفاؤه أول من انقلب على النتائج الديمقراطية التي تمخضت عن العملية الانتخابية بفوز قوى 14 اذار يومها بالاكثرية، ليعود الحزب وحلفاؤه لاحقاً ويفجروا حكومة الرئيس سعد الحرير من الداخل باستقالة جماعية كرست انقلاب الاقلية على الاكثرية وتحويل الاكثيرة اقلية والعكس صحيح. ومن هنا لم يعد المطلوب اقرار نصوص انتخابية وديمقراطية مهما بلغت مثالية وكمالا، بقدر ما بات المطلوب اليوم من الفريق الذي يملك القدرة المادية على الخربطة والانقلاب بواسطة فائض القوة، الالتزام بالنصوص والاقتناع بنتائج ما يمكن ان يتمخص عنه اي انتخاب في ظل اي قانون يتفق عليه اللبنانيون .
ثالثاً: أي من الصيغ الإنتخابية يمكن ان ترضي الاطراف؟ لا بل اي صيغة يمكن أن ترضي الحزب ليصبح لدينا قانون لا بل لنضمن احترام الحزب لنتائج الانتخابات سلفاً؟ طبعاً الحزب لا هم له سياسياً سوى الحفاظ على أكبر نسبة من مكتسبات الارض ومناطق النفوذ والمربعات الأمنية ووحدة الموقف المناطقي والمذهبي الداعم لخطه ونهجه وسياساته، وبالتالي اذا خاضت اللجنة في صيغ النسبية وتصغير الدوائر الانتخابية فلا شك أن الحزب لن يجد نفسه مرتاحاً في ظل تلك الاليات، ما لم تطعم تلك الصيغ بدوائر كبرى كلما ازداد تكبيرها كلما ارتاح الحزب الى نفوذه وسيطرته، لذلك يبقى الاساس امام اللجنة في ان لا تلجأ الى تفصيل قانون انتخابي على قياسات القوى المسيطرة والمحتكرة للتمثيل الشعبي في مناطقها وداخل طوائفها والا فان أي قانون من هذا النوع سيعيد انتاج نفس المجلس الحالي وان بفروقات محدودة .
آن الاوان ليكون للبنانيين قانون انتخابي معاصر وطني وجامع، وفي الوقت عينه قانون يعكس الاختلافات والتيارات والانتماءات والتوجهات الشعبية مهما صغرت او كبرت لان محادل الاحجام الكبيرة اغتصبت صوت الشعب واستولت على مقدرات البلاد بتقاسم الحصص والنفوذ والصفقات، وصولاً الى التجديد لنفسها تحت قبة البرلمان بلا اذن من الشعب.