#adsense

هدية روسية إلى اللبنانيين في يوم استقلالهم

حجم الخط

ما كان ممكنا أن يكون توقيت “الهدية” الروسية للبنان أكثر دلالة في يوم الذكرى السنوية الـ”72” لاستقلاله، إذ وفق التقارير الإعلامية الرسمية، فإن السلطات الروسية المعنية لم تبلغ الحكومة اللبنانية بأمر المناورات عبر القنوات الرسمية الشرعية بين الدول، وتحديدا وزارة الخارجية وسفارتي الدولتين في عاصمة كل منهما.

الغريب أن وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، بشحمه ولحمه، كان في موسكو قبل أيام معدودة، والُمسَتبعد أن تكون مناورات من هذا النوع قد تقررت فجأة بصورة مزاجية. ثم إن باسيل، شخصيا، ينتمي إلى تيار سياسي حليف لرئيس النظام السوري بشار الأسد وإلى الفصيل اللبناني التابع لإيران، أي حزب الله، أي أنه شخص موثوق به في حسابات موسكو.. ولا حاجة إلى إخفاء الأمر عنه.

الغاية من هذا الكلام ليست شحذ همم السلطات اللبنانية على الوقوف بوجه إرادة فلاديمير بوتين في منطقة يظهر أن واشنطن قد سلمت إليه بأنها أضحت “حديقته الخلفية”، خاصة أن رد الفعل الغربي على التحديات المتكررة من موسكو خلال العامين الأخيرين كان بائسا..

ولا هي، طبعا، افتعال أزمة داخلية في دولة عاجزة هشة تمر الذكرى السنوية لاستقلالها للسنة الثانية على التوالي في ظل شغور رئاسة الجمهورية فيها.

إطلاقا… ما أقصده أن اللبنانيين اختاروا أن يتناسوا حقائق بسيطة تتعلق بمصيرهم في خضم كل أنواع المناورات والمؤامرات والمساومات التي تحيط بهم من كل الجهات، ذلك أنهم لولا تناسيهم هذه الحقائق لما خرج عليهم أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، قبل أيام، داعيا إلى “تسوية وطنية شاملة” تشمل “تفاهمات” على ملفات رئاسة الجمهورية والحكومة وقانون الانتخاب ومجلس النواب. ولما كان الجيش اللبناني “ينسق” عملياته الأمنية، وبخاصة في المناطق الحدودية مع سوريا، مع حزب مسلح يمثل حصرا طائفة دينية واحدة في البلاد، ويملك دون سائر الأحزاب اللبنانية شبكة أمنية واتصالاتية موازية لأمن الدولة واتصالات الدولة.

أمين عام حزب الله في دعوته إلى “تسوية وطنية شاملة” لم يطرح تعايشا مع باقي الفرقاء اللبنانيين كما تتعايش سائر القوى السياسية، تحت سقف الدولة اللبنانية. ولم يعرض التنازل عن سلاحه، ثم إنه لم يبِد في يوم من الأيام أي ندم على تجاوزه الدولة وشرعيتها وسيادتها بخوضه حروبا خارجية بناء على تعليمات خارجية، مع أنه ممثل في كل مؤسسات الدولة اللبنانية. حزب الله، في الواقع، يخاطب اللبنانيين وفق منطق بسيط جدا ومتعاٍل جدا مضمونه “ما لنا.. لنا وحدنا، وما لكم.. لنا ولكم” الذي سبق أن طبقه غير مرة في الماضي كل طرف لبناني اعتبر نفسه فوق مستوى الدولة وأشد منها بأسا، وأعلى مكانة من مكوناتها ومؤسساتها.

إن ما يريده الحزب عبر دعوة أمينه العام هو تمرير مرحلة من أجل هضم ما قضمه خلال الفترة الماضية، قبل أن يحين وقت القضمة التالية. وفي الظروف الحالية من مصلحة الحزب ­ ومصلحة راعيته إيران ­ تخدير خصومه على الساحة اللبنانية وتثبيت المكتسبات التي حققها بغلبة السلاح.. بالتوازي مع تثبيت إيران مكتسباتها الإقليمية في أعقاب الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، قبل مغادرة باراك أوباما البيت الأبيض ومجيء إدارة أميركية جديدة.

ثم إن حزب الله، الذي هو جزء لا يتجزأ من المشروع الإيراني في الشرق الأوسط، يرى مصلحة كبرى في تحقيق أكبر مقدار من الاستفادة من “شهر العسل” الحالي بين موسكو وطهران. وهذا، مع وجود من يقول بأن التحالف القائم بين الروس والإيرانيين ما زال تحالفا تكتيكيا، ولا ضمانة ببقائه على المستوى الحالي من المتانة إذا ما طرأت تغيرات راديكالية في المسرح الدولي خلال العام المقبل، لا سيما بعد نوفمبر (تشرين الثاني) 2016. اللبنانيون العقلاء يدركون اليوم أن حزب الله وضع يده على معظم الطائفة الشيعية في لبنان بحجة “المقاومة”. ثم منذ 2006، باشر الهيمنة على لبنان ككل باسم “حماية سلاح المقاومة” عبر اصطناعه دمى من الطوائف الأخرى تأتمر بأوامره، وتستفيد من خدماته وأصواته الانتخابية.

ولقد خطا خطوة كبيرة في هذا السياق بعقده صفقة “ورقة التفاهم” مع تيار ميشال عون، كاسبا لمشروعه غطاء مسيحيا تحت هدف ظل مستترا لفترة من الزمن هو “تحالف الأقليات” – طبًعا، ضد السنة.

وبالتالي، فإن الأبعاد الكاملة لعلة وجود الحزب ودوره، محليا وإقليميا، انكشفت تماما أمام معظم اللبنانيين ونسبة لا بأس بها من العرب بعد تفجر الثورة السورية. عند هذا المفصل تلاشت كل الأوهام واتضحت الحقائق، مع تدخل حزب الله للقتال في صف قوات نظام الأسد ضد الشعب السوري الأعزل، قبل أن يكون هناك “داعش” أو غير “داعش”، والدليل تغيير الذرائع التي كانتُتسّوق لتبرير تحويل البنادق والصواريخ عن اتجاه القدس نحو وجهة حمص وحلب. اليوم في الذكرى السنوية الـ”72” لاستقلال ما عاد يعني شيئا، وفي بلد محتل بقوة سلاح طائفي أجنبي الولاء والتحكم، وأوضاع إقليمية غاية في الخطورة والتعقيد، يطرح حزب الله مناورة “التسوية الوطنية الشاملة”، بهدف تثبيت المكاسب لا غير.

الحزب يريد، بكل بساطة، إسباغ الشرعيتين “الوفاقية” و”الدستورية” على ما اغتصبه وصادره. ولذا سيكون من السذاجة المفرطة أن يسير فريق لبناني في تسوية لا يمكن صرفها، ولن تعطيه في حقيقة الأمر شيئا، حتى تحت وطأة هواجس الإرهاب العابر للحدود. إن العواصم الكبرى تعرف كثيرا عن العلاقة المشبوهة التي تربط محور دمشق وطهران بالجماعات الإرهابية المتطرفة التي “أخرجت” من سجون الأسد في سوريا، و”أطلقت” من سجن أبو غريب في العراق، وتحاشت البراميل المتفجرة قصفها لسنوات.

ولئن كانت فظائع “داعش” أدت إلى إهداء هذا المحور نصرا مرحليا، فلا ضمانات له على المدى الأبعد، لأن حتى واشنطن تتذكر أن إيران كانت “دولة راعية للإرهاب”.. وأن حزب الله ما زال بنظرها “منظمة إرهابية”.

المصدر:
الشرق الأوسط

خبر عاجل