.jpg)
تموت امرأة واحدة من العنف الأسري كلّ شهر في لبنان. في العام 2015، استقبلت منظّمة «كفى» أكثر من 1000 امرأة طلبن المساعدة، وهي تتلقّى كلّ عام أكثر من 2600 اتصال من نساء معنّفات. هذه عيّنة من الحالات المصرّح عنها، في حين تبقى العديد من الحالات الأخرى طيّ الكتمان، تتحمل فيها المرأة مآسي زوجها وجنونه وتعذيبه لها بصمت، وتموت أحياناً جرّاء هذا التعذيب بصمت أيضاً، إذ تحجب هي وعائلتها ذلك بداعي الخجل والخوف من كلام الناس. فالعنف الأسري من أسوأ أنواع العنف ضدّ المرأة لأنه يصدر عن شخص عاهدها أنهما سيبقيان معاً في السرّاء والضرّاء، ولكن سرعان ما بات هو مصدر الضرر.إن كنت تعانين عنف الشريك، فاعلمي أنّكِ لست الوحيدة، إذ انّ العالم بأسره يضجّ بقصص نساء يتعرّضن للعنف يوميّاً، ولكن لا تقعي في فخّ السكوت والرضوخ لأنّ طمس الحقيقة المُرّة لن ينفعك، بل سيزيد وضعك سوءاً.
لا تقبلي بأعذاره، فأنت تعرفين في قرارة نفسك بأنك سامحت هذا الرجل مرّات عديدة ولكنه أعاد الكَرّة. وبسبب سكوتك ورضوخك وطيبة قلبك حوّل تعذيبك إلى عادة في حياته يستعملها ضدك متى يشاء. فكوني سبّاقة واكسري صمتك.
الضربة الأولى مصيرية
تؤكّد المعالجة النفسية جيزيل نادر لـ«الجمهورية» أنّ «ردّة فعل المرأة في المرة الأولى التي تتعرّض فيها للعنف حاسمة لناحية ردع الزوج عن التمادي في عنفه».
وتنبّه من أنّ «الرجل عندما يعنّف زوجته ولا يلقى ردة فعل من قبلها توقِفه عند حدّه، يشعر بالارتياح ويعيد الكرّة».
وترى أنّ المرأة لا تبادر إلى وضع حدّ لعنف الزوج من المرّة الأولى لأنها «بطبعها هادئة وتسعى إلى تجنّب المشاكل وإلى المحافظة على عائلتها وبيتها من أجل أولادها، أو لأنها تهاب تهديدات الزوج المُعنِّف إذا ما فضحت أمره».
كسر الصمت
في اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، الأرقام غير مطمئنة، خصوصاً أنّ الضرب يأتي من كائن قوي على كائن ضعيف، فلا يوجد تساو في القِوى، ولا تتمكن المرأة المعنَّفة إجمالاً من أن تردّ الضربة أو تتحمّلها. فمن دون تجاهل وجود رجال معنَّفين من قبل زوجاتهم إلّا أنّ العنف الأسري في إطار العلاقات الزوجية والثنائية يقع في معظم الأحيان على المرأة، بحسب ما تشير إليه الإحصاءات.
وفي هذا السياق تشدّد نادر على أهمية أن «تكسر المرأة صمتها ولكن بطريقة ذكية». ولا تنصح المعنَّفة باستفزاز زوجها لأنه قد يصعّد عنفه ويهدّد حياتها، «فلا يجب على المرأة أن تحاول ضربه أو ترفع صوتها بوجهه، بل يُفضّل أن تلجأ إلى المراكز المختصّة والجمعيات التي تعلّمها كيف تنسحب بطريقة ذكية وكيف تجمع الاثباتات التي تدينه».
وتشير نادر إلى أن «مساندة أهل الضحية لها تشكّل دعماً كبيراً، فضلاً عن أن لجوءها إلى المراجع الدينية قد يساعدها لأنّ الزيجات تتمّ في لبنان على أساس ديني والطوائف تُبتّ بقرار الانفصال، كما تحاول تقريب وجهات النظر وتوعية الثنائي مع بداية المشاكل».
حلقة عنف مفرغة
العنف الممارس من قبل الزوج على زوجته غالباً ما يتّخذ شكل الدوامة. وتتصاعد وتيرة تصرّفاته وعباراته بطريقة عصبية تخيف الضحية في المرة الأولى، لتأتي المرحلة الثانية فجائية ومدمّرة حيث يعتدي عليها جسدياً ويتركها تحت تأثير الصدمة تشعر بالغضب والخجل.
أمّا في المرحلة الثالثة، فيعتذر الجاني ويحاول تبرير تصرّفاته، ويؤكّد أنه لن يعيد الكَرّة وأنه يحبها فيما تحاول الضحية بدورها إيجاد التفسيرات لتبرير شريكها، فتسامحه. ولكن في لحظة غير متوقعة، يعود فينفجر غضباً وتعنيفاً لجسدها مرّة جديدة، وهكذا دواليك.
وتؤكّد المنسّقة الإعلامية في منظمة «كفى» مايا عمّار أنّ «إقرار قانون حماية المرأة من العنف الأسري في نيسان عام 2014 شكّل خطوة مهمّة على طريق حماية المرأة من العنف الأسري ومنحها خيار اللجوء إلى السلطات، بينما كانت في الماضي تُواجه باستخفاف اذا ما تقدّمت بشكوى». وتلفت عمّار إلى أنّ «القانون الصادر يحاسب عنصر الأمن إذا ما استخفّ بشكوى امرأة».
وتكشف أنّ «العام الماضي شهد صدور أكثر من 30 قرار حماية لصالح سيدات لجأن إلى العدالة، فيما سُجّل هذا العام حتّى الشهر الماضي صدور 50 قرار حماية». وتوضح أن «هناك عدة تدابير تتخذها النيابة العامة عندما تلجأ السيدة الى المخفر، إذ يمكن للنيابة العامة حسب الحالة أن توقِف المعنّف لمدة 48 ساعة أو أن تبعده عن المنزل أو تلزمه بمنع التعرض للمرأة، كما تلزمه بدفع تكاليف الاستشفاء الطبّي إذا كان قد تعرّض لها جسدياً».
وتشير عمّار إلى أن «حصول المرأة على قرار حماية لفترة أسبوعين أو أكثر يستلزم تدخل قاضي الأمور المستعجلة الذي قد يمنحها قرار حماية ساري المفعول لحين البتّ بأصل العلاقة الزوجية، ويمكن لهذا القرار أن يشمل أولادها».
وتشدد على أن «قرار الحماية لا يصدر فقط في حال توجهت السيدة الى المخفر إثر تعرّضها للضرب المبرح، لأنّ عدداً من القضاة أخذوا العنف المعنوي بعين الاعتبار في أحكامهم ومنحوا سيدات قرار الحماية فقط لأنهنّ تعرضن للتهديدات مثلاً». وبدورها، تؤكد عمار على «أهمية أن تلجأ المرأة إلى العدالة قبل تمادي الزوج بسلوكه الإجرامي والعنفي».
قوانين مجحفة
العنف ضد المرأة منتشر في العالم أجمع، ففي فرنسا على سبيل المثال تموت امرأة كل 3 أيام نتيجة العنف الأسري. ولكنّ البلدان المتقدّمة تضع عدة قوانين تحمي المرأة، بينما العنف ضدها في لبنان لا يأتي فقط نتيجة ضرب جسدي بل نتيجة قوانين ضربت حقها في الحماية عرض الحائط على مدى عقود. فالجمعيات النسائية تناضل حالياً لدفع مجلس النواب إلى تجريم إكراه الزوجة بالعنف على الجماع.
وتؤكّد عمّار أنّ الدولة «لم تعترف بالاغتصاب الزوجي على أنه جرم لم يتمّ، لأنّ هناك مفهوماً دينياً خلفه وكأنه حقوق زوجية، ومن واجب الزوجة أن تلبّي زوجها». وتشدّد على أنّ «الإكراه على الجماع يُعتبر اغتصاباً بالنسبة للمتزوّجين أو غيرهم». وتؤكّد على «أهمية إنشاء الدولة صندوقاً لدعم ضحايا العنف الأسري وبرامج الوقاية وإنشاء فرع متخصّص بالعنف الأسري في قوى الأمن الداخلي».
وفي الختام، يبقى التأكيد على أن تتكلم المرأة الضحية عن مآسيها ولا تكتمها، وأن تطلب المساعدة من المجتمع المدني والجمعيات والمخافر وتواجه واقعها للخروج من دوامتها المأساوية، لأنّ السكوت يعرّضها للموت ويحتّم على أولادها تحمّل هذه المآسي معها، علماً أنّ الرجل الذي يعنّف زوجته غالباً ما يعلّم العنف لأولاده.