افتتاحية “المسيرة”: رئيس الثوابت المسيحية

افتتاحية “المسيرة”: العدد 1536

هل يمكن أن يعبر ترشيح النائب سليمان فرنجية حقول الألغام قبل الوصول إلى قصر بعبدا؟ هل اللقاء الذي تم بينه وبين الرئيس سعد الحريري في باريس كان محاولة لجس النبض وبناء الثقة وتقديم العروض المتبادلة؟ أم أنه كان نتيجة لمفاوضات سابقة؟ وهل “حزب الله” موافق على تخطي العماد ميشال عون؟ هل المملكة العربية السعودية كانت على اطلاع على هذا العرض أم أن الرئيس سعد الحريري أخذ على عاتقه هذه المحاولة على أساس أن يبلغ عن النتائج لاحقا؟ لماذا كانت محاولة الإلتقاء الأولى مع العماد ميشال عون؟ ولماذا فشلت؟ ولماذا تتكرر هذه المحاولة مع رئيس تيار “المردة” وهل يمكن أن تصل إلى النتيجة نفسها؟

 

لم يعتد النائب سليمان فرنجية تلبية دعوات رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل إلى المآدب لا قبل أن يصير رئيسًا لهذا التيار ولا بعده. في الأساس كان لدى فرنجية تحفظ تجاه باسيل وهو منذ حضر الإجتماعات الأولى لتكتل التغيير والإصلاح لم يكرر المحاولة متحفظاً أيضًا على طريقة إدارة العماد عون للجلسات.

في 7 تشرين الثاني الحالي تخلى فرنجية عن امتناعه ولبى دعوة باسيل إلى الغداء في البترون. لم يكن مدعوًا وحده ولا كانت المناسبة مجرد غداء أو لتقديم التهنئة له بالمنصب الجديد. كان الجدال متشنجًا حول جدول أعمال جلسة تشريع الضرورة وكان إعلان النوايا بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” يفرض تضامناً في المواقف تجاه قضيتين أساسيتين: مشروع قانون استعادة الجنسية ومشروع قانون الإنتخابات النيابية. وبرز الشارع المسيحي موحدًا خلف خيارات “القوات” و”التيار” مدعومين من بكركي بمواقف واضحة وصريحة ومعلنة للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.

كان على “حزب الله” أن يجس نبض “التيار”. وكان المطلوب لقاء مع العماد ميشال عون ولكن الضرورات اقتضت جلسة استطلاعية أولاً مع الوزير باسيل لذلك كان فرنجية إلى مائدته إلى جانب مسؤول لجنة التنسيق والإرتباط في “حزب الله” والحاج حسين الخليل المعاون السياسي لأمينه العام السيد حسن نصرالله. بدا من خلال ذلك أن الحزب مع فرنجية يريدان موقفاً من “التيار الوطني الحر” خصوصًا حول وحدة الموقف مع “القوات”. في موضوع مشروع قانون الجنسية سأل ممثلا الحزب الوزير باسيل عن سبب التمسك بطرحه طالما أن الحزب يتعهد بالموافقة عليه. وفي موضوع مشروع قانون الإنتخاب عبّرا عن هواجسهما وعرضا على باسيل أن يتخلى “التيار” عن التمسك بطرحه على جدول الأعمال. ولكن النتيجة كانت سلبية.

على أثر هذا اللقاء كان من المتفق عليه أن يحصل لقاء مكمل مع العماد ميشال عون في الرابية. ذهب الخليل وصفا وامتنع فرنجية لأنه ربما اكتشف من خلال اللقاء مع باسيل أن الأجواء غير مشجعة للقاء مع عون وأن أي نتيجة لن تتحقق. في 11 تشرين الثاني كان “القوات” و”التيار” يحشدان من أجل وضع المشروعين على جدول الأعمال بينما كان السيد حسن نصرالله يعلن عن ضرورة التوصل إلى تسوية شاملة تطال كل المواضيع الخلافية ويشير تحديدًا إلى أمرين أعطاهما أهمية كبرى وهما: ترشيح العماد ميشال عون عندما استدرك أنه يطرحه للنقاش من أجل اكتساب تأييد الطرف الآخر في 14 آذار له، والثاني قانون الإنتخابات الذي أعطاه أولوية على رئاسة الجمهورية باعتبار أنه بحكم طبيعة التوازنات السياسية في الداخل ومن هنا يمكن فهم أهمية التركيز على ضرورة سحب هذا المشروع من التداول وفك الإرتباط بين “القوات” و”التيار” حوله مع أنهما دخلا هذا المعترك تحت عنوان مشترك هو تأمين أكبر قدر ممكن من صحة التمثيل المسيحي في مجلس النواب تعزيزًا للعيش المشترك.

ولا مرة منذ أعلن “حزب الله” تمسكه بالعماد ميشال عون مرشحًا وحيدًا لرئاسة الجمهورية أعلن النائب سليمان فرنجية عن نيته بالترشح حتى تلميحًا. كان دائمًا يعتبر أن الظروف هي التي ترشحه وأنه لن يسعى إلى هذا الترشيح بنفسه وأنه وراء العماد عون وعندما يقرر الجنرال أن ينسحب من المعركة يمكن أن يبحث في الموضوع. ولكن في المقابل كان يستشف من مواقف فرنجية أنه راغب بالرئاسة وأنه على مسافات مع العماد ميشال عون. طبيعة العمل السياسي كانت تتناقض كثيرًا مع طبيعة المواقف السياسية. وافق فرنجية على التمديد لقائد الجيش العماد جان قهوجي وعلى التمديد لمجلس النواب وعلى عدم تعطيل جلسات مجلس الوزراء وعلى جلسات تشريع الضرورة من دون شروط بينما كان العماد عون على الضفة الأخرى. وبذلك كان يحاول دائمًا أن يظهر في الوسط على رغم تأكيده الدائم على ثابتة العلاقة مع الرئيس السوري بشار الأسد على قاعدة عدم التخلي عن حلفائه وأصدقائه في أوقات الضعف.

بعد دعوة السيد حسن نصرالله إلى التسوية السياسية الشاملة وبعد تفجيرات الضاحية في برج البراجنة بدا من خلال بعض المواقف أن العماد ميشال عون صار حجر عثرة أمام الحزب وقد يتحول إلى مشكلة. بعض المتابعين لهذه العلاقة الملتبسة أعادوا إلى الذاكرة ترشيح السيد حسن نصرالله للرئيس عمر كرامي لترؤس الحكومة بعد الإنقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري مطلع العام 2010 وبعد الإتفاق مع الرئيس نجيب ميقاتي اعتذر نصرالله من كرامي على أساس أن صحته لا تسمح له، الأمر الذي رد عليه كرامي بإطلاق إحدى نكاته السياسية التي قال فيها أن السيد حسن نصرالله أخرج له نشرته الطبية. في هذا التوقيت تم الإعلان عن اللقاء بين الرئيس سعد الحريري والنائب فرنجية في باريس في حضرة رجل الأعمال جيلبير شاغوري المقرب من العماد عون ومن الرئيس بري.

دائما كان هناك من يعتبر أن “حزب الله” لا يتمسك بترشيح العماد عون إلا من أجل تعطيل الإنتخابات الرئاسية وأن مرشحه الحقيقي هو النائب سليمان فرنجية. لقاء فرنجية الحريري لم يأت من فراغ فقد كشفت المعلومات أنه أتى في سياق متراكم ومن خلال عدة أمور تم ربطها ببعضها لاحقاً. من تسريب خبر ترشيح النائب وليد جنبلاط له في لقاء لقدامى الحركة الوطنية عند توفيق سلطان إلى نبش خبر لقاء سابق بين فرنجية والنائب السابق الدكتور غطاس خوري ورئيس مكتب الرئيس سعد الحريري نادر الحريري مع فرنجية في بنشعي إلى لقاءات فرنجية مع السفير الأميركي السابق دايفيد هيل.

يوم الأربعاء 25 تشرين الثاني الحالي لم يحضر العماد ميشال عون إلى عين التينة للمشاركة في طاولة الحوار. على العكس بكر النائب فرنجية بالحضور للقاء الرئيس بري قبل بدء الجلسة. ربما أراد عون ألا يلتقي فرنجية على الهامش بينما ينتظر أن يزوره في الرابية ليطلع منه على حقيقة ما حصل في باريس ولذلك تعاطى “التيار الوطني الحر” مع هذا التطور بطريقتين: اعتبار العماد عون أن اللقاء لم يحصل حتى يتبلغ بذلك رسميًا من فرنجية أو من “حزب الله” أو من الرئيس سعد الحريري وتصرف كوادر أساسية في ا”لتيار” في المقابل وكأن اللقاء قد حصل وأنه بوجود الأصيل لا يمكن البحث عن البديل وأنه بينما تبحث السعودية عن بديل لبشار الأسد وبينما يتهمها الأسد بأنها حليفة الوهابيين فكيف يمكن القبول بصديقه في قصر بعبدا.

أبعد من “التيار الوطني الحر” ذهب كثيرون إلى اعتبار أن لقاء فرنجية ـ الحريري في باريس سينهي الإنقسام بين 8 و14 آذار وأن “القوات” مع “التيار” يمكن أن يشكلا حلفاً جديدًا لمواجهة ترشيح فرنجية.

لم تتعاط “القوات اللبنانية” مع هذا الحدث وكأن اللقاء معبر حتمي إلى قصر بعبدا. ما يهم “القوات” هو الثوابت المسيحية، وهي لن تقاطع أي جلسة لانتخاب الرئيس ومنذ البداية طالب الدكتور جعجع النواب بالنزول إلى المجلس وبأن يبقى المجلس في حال انعقاد دائم حتى يتم الإنتخاب. و”القوات” لا تضع أي فيتو على أي مرشح كما لا تريد من الآخرين أن يضعوا أي فيتو أيضًا. و”القوات” يهمها أولا عدم انتخاب رئيس لا ينسجم مع الثوابت المسيحية والثوابت التي أعلنها رئيسها سمير جعجع في برنامجه الرئاسي تحت عنوان “الجمهورية القوية”. و”القوات” تعتبر أيضًا أن الرئيس القوي الذي يمثل بيئته المسيحية أولاً لا بد من أن يأتي ترشيحه أولاً من هذه البيئة. وأنه لا بد من أن يكون مع الدولة القوية والجمهورية القوية التي لا وصاية سورية أو إيرانية عليها. ومع الجيش الواحد وسلاح الشرعية وليس مع أي سلاح آخر ومع عودة “حزب الله” إلى الدولة وتخليه عن سلاحه وعن قتاله في سوريا. وهي مع الرئيس القادر على أن يكون ضامناً للسيادة التي تحمي الحدود واللبنانيين كلهم تحت هذا العنوان. تحميهم من السلاح غير الشرعي ومن الإرهاب. وبالتالي يكون الطريق الواجب سلوكها في اتجاه قصر بعبدا واضحة المعالم.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل