حجر في مستنقع

 

لم يكن ما جرى في الأيّام الأخيرة حول الرئاسة اللبنانيّة بحثاً جادّاً في تحديد الرئيس العتيد، إسماً وتصنيفاً ونهجاً والتزامات وخيارات، بل مجرّد تمرين في الوقت الضائع، يتمّ بعده حساب الأرباح والخسائر داخل كلّ فريق وفي المواجهة البينيّة بين الأفرقاء.

صحيح أنّ هؤلاء الأفرقاء تعاطوا مع الترويج للنائب سليمان فرنجيّة رئيساً، بعضهم بجديّة ظاهرة وبعضهم الآخر بخفّة مكتومة، لكنّ الجميع كان يحتسب أنّ المسألة، في حقيقتها، هي اختبار ضروري لتحريك المياه الراكدة، لعلّ عوسجهم السياسي يعطي ثمرة من حيث لا يدرون.

وقد توزّع السياسيّون والكتل النيابيّة في مقاربتهم الأمر، بين التصديق والاستهجان والاستخفاف، على فئات أربع: فئة مبادِرة تضمّ الثلاثي برّي الحريري جنبلاط.

 ثانية متربّصة هي “حزب الله” والذين في جلدته من البعث والقومي وأرسلان. ثالثة مرتابة ومترصّدة تضمّ عون ( مع الطاشناق)، وجعجع، مع تمايز حزب الكتائب.

 ورابعة من 9 نوّاب مستقلّين بين عكّار وطرابلس والبترون وبيروت والشوف يتباينون في حسم مواقفهم.

وفي حين كان الثلاثي الأوّل يترقّب ردّ طرفَي “إعلان النيّات”، جاءه الإرباك من حيث لم يكن يتوقّع، من رئيس الكتائب سامي الجميّل، فاختلطت الأوراق من جديد قبل أن تُضطرّ معراب والرابية إلى استعادة مشهد 1988 بقطع الطريق أمام سليمان الكبير ومخايل الضاهر آنذاك.

وليس خافياً أنّ ما يجمع هؤلاء الرافضين الثلاثة ليس هو نفسه، فحسابات جعجع والجميّل تتقاطع عند المبدأ، أي قياس الرئاسة الأولى على الأسس والأهداف الكبرى، من فكرة تحييد لبنان إلى رفض السلاح غير الشرعي وتورّطه في سوريّا والتزام القرارات الدوليّة والدستور.

بينما عون يلتزم “خطّ” فرنجيّة المعروف، ولا يرفضه على الأساس المبدئي كحليفَين مشتركين لبشّار الأسد وحسن نصرالله، بل على خلفيّة من له الأحقيّة الشخصيّة في الرئاسة تحت شعار تمثيل المسيحيّين. ولم يكن كلام رئيس التيّار العوني عن “الأصيل” (عون)، إلاّ رفضاً ل”البديل” (فرنجيّة).

وإذا أهملنا احتمال أن يكون موقف تيّار “المستقبل” مناوراً أو فقط بهدف تحريك الملفّ الرئاسي وإحياء المؤسّسات ولو على حساب المبادىء والتحالفات العميقة، فإنّ ما بعد طرح اسم فرنجيّة للرئاسة لن يكون كما قبله.

فالكثير من المياه يجري تحت جسور القوى السياسيّة، سواء كانت حليفة أو متخاصمة، وخلط الأوراق سيغيّر المشهد السياسي، بدون بلوغ مرحلة هدم الجسور وقلب التوازنات السابقة.

فليس في المنطق السياسي أن ينقلب الموقف رأساً على عقب مطيحاً كلّ تراكمات الأزمة والخصومات بما فيها من شهداء ودماء، لأنّ أيّ انقلاب حادّ في الهدف السياسي والوطني سيرتدّ حكماً على القائم به، وصيّادو الفرص على الأبواب.

وتتهاوى في هذا السياق النظريّة القائلة بأنّ “الخط” يسقط برحيل الأسد، وأنّ فرنجيّه بدون سنده السوري يكون مكشوفاً ولا يشكّل عقبة أو خطراً، وأنّ إيران التي ستدفع في سوريّا ستحصل فقط على شيك بلا رصيد في لبنان. فهي مبرّرات واهية لتغطية صفقة سياسيّة ما معقودة في الخارج ومفروضة على الأطراف اللبنانيّين.

قد يقول قائل: وأين المشكلة، فهذا هو لبنان، بلد التسويات المزمنة، والانتخابات الرئاسيّة المدبّرة، نظراً إلى قصور قواه السياسيّة وأحزابه. صحيح، ولكنّ التسويات التي سبقت الحرب لم تأت برؤساء من محور أو “خطّ”، والتسوية الوحيدة بعد وصاية النظام السوري، في الدوحة، لم تكن سيّئة، بل جاءت برئيس من خارج الأحلاف والمحاور و”الخطوط” وأثبتت نجاحه.

لا يمكن لرئيس لبنان أن يكتم أفكاره وبرنامجه وتوجّهاته الأساسيّة، ولا يكفي أن يسكت عن ماضيه والتزاماته كي يبرأ منها ويكون مستقلّ الخيار والقرار. فالمطلوب إشهار العناوين والأهداف والنهج، وليس إغفالها والعبور فوقها.

ولذلك، وحتّى الآن، ما جرى ليس أكثر من رمية حجر في المستنقع السياسي اللبناني.

الحجر يستقرّ في القعر. تموّجات السطح تتلاشى بعد تدافُع. والمستنقع باقٍ في وبائه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل