
منذ انطلاقة ثورة الارز في العام 2005، أخذت كافة القوى السيادية على عاتقها الدفاع عن لبنان والعبور الى الدولة. وكان شعار “لبنان اولاً” هو حجر الزاوية في فلسفة تلك القوى منذ اليوم الاول.
فلبنان كان ولا يزال بالنسبة لتلك القوى الصبي وهي امه الحريصة عليه، لكن الحرص لا يمكن ويجب الا ينقلب الى دلع وغنج يطيح بالمكتسبات وخاصة احترام جمهور واسع من اللبنانيين الذين نزلوا الى الساحات التي غصت بهم مطالبين بالحرية والسيادة والاستقلال وخروج المحتل وانهاء النظام الامني وحكم الوصاية.
فأن نكون ام الصبي يعني:
اولاً: ان لا تفريط بالمكتسبات – فالشريحة الواسعة من اللبنانيين المؤمنين بلبنان السيد والحر والديمقراطي – اي بفكر “14 اذار” امانة في اعناقنا جميعا متضامنين ومنفردين، تماماً كما دماء شهدائنا الذين سقطوا على يد اتباع وحلفاء النظام الامني السوري – اللبناني والذي كان ولا يزال المسؤول الاول عن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونخبة من قيادات الخط السيادي لثورة الارز.
ثانياً: استحالة السماح للنظام السوري الحالي الذي خرج عام 2005 من الباب الواسع ان يعود الى لبنان من اي نافذة لان في ذلك نقض كامل ليس فقط للتلاقي الوطني الجامع بين اللبنانيين في انتفاضة الاستقلال، بل نقض كامل لفكرة “لبنان اولاً” ونقض كامل لمبدأ “العبور الى الدولة”.
ثالثاً: استحالة ان تتحول قوى “14 اذار” الى قوى تنتظر تلقي الايحاءات والاضواء الخضراء والحمراء من الخارج، اذ ان فكرة “14 اذار” قائمة على الاستقلال والسيادة. ومهما كانت الظروف صعبة والفراغات المؤسساتية ضاغطة، الا ان ذلك يجب الا يدفع الى تسويات تضرب في صميم الكرامة الوطنية والمصداقية الثورية ومشروعية الدماء التي سالت من اجل نظرة جامعة ومشتركة الى لبنان قوي .
رابعاً: ان التاريخ لا يرحم ولن يرحم اي قيادي او زعيم سلك خيارات سياسية مناقضة ومناهضة لخط وسياسة “14 اذار”، فأهم ما هي عليه “14 اذار” منذ نشأتها كونها فكر ورؤية للبنان التقت حولها قوى لبنانية سيادية على خط وطني منطقي سليم نظيف بنظافة ونقاوة دماء القافلة الثمينة لشهدائنا، خط صادق بصدق قسم جبران ينبذ كل ما هو تدخل خارجي في الشأن اللبناني وكل ما يناقض العيش المشترك وقيام الدولة القوية والقادرة وحكم القانون والعودة الى الحياة المؤسساتية الديمقراطية البرلمانية السليمة. وكلها ثوابت باتت راسخة في العقول والوجدان الجماعي ولم يعد موضع نقاش ومساومة.
خامساً: نعلم ان لبنان لطالما كان بلد التسويات، لكن احياناً عندما يصبح خيارنا بين التسوية التي تفقدنا ذاتنا وهويتنا ونضالنا وتاريخنا وقناعاتنا بما يودي بنا الى انفصام مريع في شخصيتنا الوطنية والنضالية وبين استمرار الازمات، فاننا لا نتوان عن التعايش مع الثانية ثمناً لعدم فقدان ما ذكرنا. فلا يمننا احد بأن للخروج من المأزق السياسي ثمن، وان الثمن هو باتجاه محدد لا غير، لأن من قاوم المعادلات الدولية والاقليمية والمحلية زمن التخلي العام عن لبنان وتسليمه لقمة سائغة لاعداء وجوده وكيانيته لا يمكنه ان يقبل بأن يسقط الوطن مجدداً في ظرف اكثر خطورة ودقة ومصيرية.
سادساً: كلنا في “14 اذار” ام الصبي، ولا تفرد لاحد على حساب الاخرين في تقرير مصيره وما يناسبه او لا يناسبه، لكن المهم ان يبقى الصبي كي تبقى امه مطمئنة عليه تجهد وتعمل من اجل نموه بالاتجاهات الصحيحة. وعلى من يريد الوصول الى رئاسة الجمهورية حاليا ان يضع نصب عينه “اعلان بعبدا” منطلقاً ثابتاً وجوهرياً لعمله وبرنامجه، لان ما دون ذلك فان اي تسوية قد تتحول مرحلة تأزم جديدة تبقي الحاضر على حاضره والربط والارتباط بالخارج والتبعية له على حالها.
فعلينا جميعا في “14 اذار” ان ننتبه الى ما يريده حقيقة الصبي وما يحتاج اليه ليبرأ لا ليمرض مرة ثانية وندخله العناية الفائقة…
