.jpg)
السعادة والحزن، والحماسة والقلق، أحاسيس متناقضة تصف حالة المرأة التي تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة أو الـ«Baby Blues». فما هي مخاطر هذه الحالة، وكيف يمكن أن تؤثّر في الأم وطفلها؟قد يعتبر البعض أنّ هذه الحالة عابرة أو ظرفية، وتشكّل حالة طبيعية، إلّا أنّ العوارض التي ترافقها تسبّب في حال تطوّرت، مشكلات خطيرة تهدّد حياة المُنجبة والطفل، ما يستدعي معالجة طبيّة جدّية كأي مرض آخر.
في هذا الصدد، يشرح بروفيسور العلوم النفسية والعقلية في جامعة اوهايو الاميريكية، ورئيس زمالة الطبّ التشاوري في مؤسّسة «حمد» الطبية في قطر، الدكتور عادل سليمان ابو زرعه لـ»الجمهورية» عن ماهية هذه الحالة ويقول: «يمكن أن يصيب هذا الإكتئاب المرأة قبل، بعد أو خلال الحمل.
وإجمالاً، تظهر هذه الحالة في فترة الـ4 أيام إلى الأسبوعين بعد الولادة، وتبدأ معها الفترة الصعبة والتي تتمثّل بـ:
- الحزن والبكاء من دون سبب
- عدم الاكتراث بالنفس وبالمولود الجديد
- الشعور بالذنب من دون سبب
- سوء تقييم النفس والشعور ببشاعة الجسد
- الشعور بالذنب المفرط تجاه ايّ مسألة
- شعور بعدم الاكتفاء بالصورة الذاتية
- عدم القدرة على لعب دور الأم، ما يجعلها «تكره» طفلها وتتصوّره كعبء عليها، الأمر الذي يمكن أن يدفعها إلى التخلّص من الولد.
لا يجب التساهل أبداً مع هذا الوضع، ويشرح أنّ «14 في المئة من النساء يصبن بهذا الاكتئاب في فترة الولادة و 20 في المئة منهنّ يحاولن قتل أنفسهنّ والولد، لهذا السبب يجب الانتباه الى المرأة وعلاجها سريعاً لأنّ العواقب ستكون وخيمة جداً على العائلة أجمع».
الأسباب
3 أسباب أساسية تسبّب إكتئاب ما بعد الولادة، ويعدّدها على الشكل الآتي:
1- الأسباب الوراثية: يمكن للمرأة أن تعرف إذا كانت معرّضة أكثر من غيرها للإصابة بمشكلات نفسية، وذلك في حال تعرّضت إحدى قريباتها أو والدتها إلى إكتئاب الولادة، عندها يجب أن تأخذ علماً أنّ لديها استعداداً وراثياً للإصابة.
2- الأسباب البيولوجية : التي تشكّل أكبر نسبة تداول في المجالس العلمية، لأنّ التغيّر المفاجئ في نسبة الهورمونات خلال الولادة وتبدّلها من البروجستيرون الى البرولكتن يؤثّر في مزاج وتفكير المنجبة، ويجعلها تدخل في دوّامة عنوانها «استحالة الحياة».
3- الأسباب النفسية: إذا كان للمرأة سابقة في الاكتئاب خارج فترة الحمل، تكون أكثر جهوزية نفسيّاً وبيولوجيّاً لأن تشعر بالاكتئاب قبل، بعد وخلال فترة الحمل.
ولتجنّب هذه الحالة والحدّ منها، ينصح د.عادل سليمان ابو زرعه «بالخضوع مع الطبيب النسائي خلال فترة الحمل وبعده بـ3 أشهر الى
الـ screening. هذا الطبيق، عبارة عن أسئلة مباشرة أكثرها 9، تمكّن من كشف عوارض الاكتئاب مبكراً بنسبة 95 في المئة، وبالتالي تسرّع العلاج وتخفّف من النتائج السلبية».
العلاج
يشرح الكتور أبو زرعه أنّ «مضادات الاكتئاب القديمة والجديدة فعّالة، ويكمن الفارق بينها في العوارض الجانبية التي يمكن أن تسبّب غثياناً أو اسهالاً، فمن الأفضل استعمال المضادات الجديدة لأنّ عوارضها السلبية أقلّ، وتؤّمن بدورها سلامة الجنين والمرضعة، في حال استمرار العلاج الى فترة ما بعد الحمل.
وقد أُثبت علميّاً أنها لا تضرّ بالجنين وليس لها تأثير سلبي على الرضاعة، وبالتالي هي آمنة ومنقذة بشكل كبير لحياة الأم والطفل ولنوع الحياة العائلية بشكل عام». مضيفاً أنّ «الاكتئاب خلال الحمل يؤذي الجنين أكثر من العلاج». ويشرح أنه «لا يمكن للمرأة المكتئبة أن تهتمّ بطفلها بعد الولادة حتّى لو أرادت، وذلك بسبب غياب قدراتها الجسديّة والنفسيّة.
ويفصّل ذلك قائلاً إنّ «المرأة المكتئبة لا تفارق سريرها عادةً، ولا تستحمّ ولا تأكل ولا تشرب، وبالتالي لا يمكنها أن ترضع». و قد يفوق الضغط الناتج عن الإكتئاب قدرتها، فتحمّل طفلها ذنب أحاسيسها، ما يدفعها في الكثير من الأحيان إلى قتله والإنتحار بعدها».
قد يتّهم البعض المرأة بالدلع والغنج، قائلين لها «شدّي حالك ما بكي شي»، إلّا أنّ د. أبو زرعه يؤكّد أنّ «هذا المرض حقيقي وجدّي ولا علاقة له بالدلع، وقد يؤدّي إلى نتائج خطيرة، لذلك يجب معالجته بطريقة علمية، كما يعالج مرض السكّري والضغظ وغيرهما من الأمراض»، مشدِّداً على أنّ «دور العائلة مهم وأساسي في مساعدة المكتئبة والتخفيف من الضغط عليها، ويجب على المحيطين بها أن يكونوا متفهّمين وإسماعها الكلمات الايجابية والتشجيعية».
ويضيف بأنّ «الإكتئاب قد يصيب الأم في أيّ فترة حمل، وليس بالضرورة أن تكون هذه الفترة خلال حملها بالطفل الأوّل، والتي عانت من الاكتئاب هي معرّضةً لتكراره بجدّية، وفي كلّ فترة حمل».
الإكتئاب المزمن
أظهرت حالات إمكانية تحوّل الاكتئاب ما بعد الولادة الى إكتئاب مزمن، ويقول أبو زرعه إنّ «الإكتئاب في طبيعته مرض دوري، يبدأ وينتهي بنفسه. لكن في حال شفي المصاب به من تلقاء نفسه دون اللجوء الى العلاج الطبّي، هناك احتمال من أن تعود دورة الاكتئاب مجدّداً خلال السنوات الخمس المقبلة. بينما إذا عولجت تنخفض نسبة تكرار الإصابة كلّما زادت فترة العلاج».
وختم حديثه قائلاً إنّ «الإكتئاب مرضٌ لولبي يعاود نفسه بنفسه اذا لم يعالج بجدّية، وخصوصاً في حال الإكتئاب ما بعد الولادة، الذي يؤثّر سلباً في عملية رعاية الطفل، بالإضافة الى نتائج مأساوية تصيب المنجبة وطفلها وعائلتها».