#adsense

من بيروت إلى الرياض أو العكس

حجم الخط

حدثان رئيسان، أعادا التساؤلات اللبنانية حول الدور السعودي في لبنان، الأول هو استقبال عبدالرحيم مراد السياسي الموالي لبشار الأسد، والثاني هو اعتزام سعد الحريري ترشيح صديق بشار الأسد وشقيقه الروحي رئيسا للجمهورية، أي النائب الزغرتاوي سليمان فرنجية.

الأسئلة عن المملكة كانت مطروحة سلفا، وتحديدا منذ تكشفت الأزمة المالية لسعد الحريري وتيار المستقبل، فضلا عن رسالة كتبها رئيس تحرير لبناني مطالبا العاهل السعودي بعدم التخلي عن المسلمين في لبنان.

كان استقبال عبدالرحيم مراد من الأخطاء الفادحة، فالرجل بدأ الترويج قبل استقباله في المملكة بأن الرياض تنظر إليه كخليفة لسعد الحريري، ولا أتصوّر أن دوائر السياسة في المملكة بهذه السذاجة، فمراد شخصية ريفية لن يسير تحت لوائها سنّة المدن الأكثر تأثيرا وفعالية، ولن ينسى السنّة مطالبته العلنية بإلغاء المحكمة الدولية أو عمالته لبشار الأسد الذي فعل بسنّة لبنان ما فعل فضلا عن قتله للسنّة في سوريا، عبدالرحيم مراد كان وزير الدفاع في حكومة عمر كرامي التي عملت على اغتيال رفيق الحريري معنويا تمهيدا لاغتياله الجسدي، وتصريحاته ضد الرئيس الشهيد وضد المملكة موثّقة ومعروفة. ومما سمعناه أن مراد يستحق الاحتفاء نظير تأييده لعاصفة الحزم، مع العلم بأنه فعل ذلك بموافقة بشار الأسد الذي يرى أن تأييد الدور السعودي في اليمن يعطي الشرعية للدور البعثي في لبنان، رغم الفارق الشاسع بين هذا وذاك، وإن كان هناك من يستحق الاحتفاء فهو بلا شك الرئيس فؤاد السنيورة نظير مبادئه وصلابته وإخلاصه وقيامه -قدر الممكن- بسدّ غياب سعد الحريري.

ربما يكون عبدالرحيم مراد أسوأ سنّي في لبنان، فعمالته الرخيصة لأجهزة الأمن السورية يعرفها القاصي والداني، وملايينه التي يتنعم بها يعرف اللبنانيون أن مصدرها معمر القذافي والحرس الثوري الإيراني، وعليه فإن أيّ تواصل سعودي معه هو عبء على المملكة وسيضعف السنّة ولبنان.

ولا بأس من التكرار، بأن الاسم الوحيد القادر على جمع السنّة من شبعا إلى الشمال هو اسم الحريري، ومهما كانت أخطاء سعد، وصاحب هذه السطور أكثر من تحدّث عنها، إلا أنه يتمتع بالقبول وبالشرعية وبالشعبية، وولاؤه للبنان وإخلاصه للمملكة ليس عليه غبار، ومشكلته إدارية صرفة ويمكن حلها بسهولة، والتفكير بإضفاء اللامركزية على المشهد السنّي في لبنان، مقابل مركزية حزب الله الشيعية، أكبر هدية مجانية ستكسبها إيران، خصوصا وأنها حاولت مرارا تحقيق هذا الهدف ومنيت بالفشل الذريع.

ثم جاء ترشيح الحريري المنتظر لسليمان فرنجية كضربة موجعة لكل شيء، ولا أعرف من هو صاحب هذه الفكرة، لأن التداعيات تتضح رويدا رويدا، فالشارع السنّي يغلي بما في ذلك شريحة واضحة من أركان تيار المستقبل، والمسيحيون مصابون بالذهول وبخيبة الأمل، مع العلم بأن التسوية ليست مرفوضة في حدّ ذاتها، لكن هناك ثلاثة أسئلة لا بد من الإجابة عليها: لماذا؟ كيف؟ ما المقابل؟ ومن باب إحسان الظن سنقول إن إجابات الأسئلة ليست واضحة بدلا من القول بأنها مريعة. فظاهر الترشيح هو تسليم لبنان رسميا إلى إيران، ونتيجة ذلك هو التوتر شئنا أم أبينا لاعتراض أغلبية اللبنانيين، ومن يتصور بأن ترشيح فرنجية سيشق 8 آذار لم ير أن تفتت 14 آذار أقرب، ومن يظن أن فرنجية سيفضل العرب على سلاح حزب الله بعد انتهاء عهد الأسد مجرد واهم.

إن تسوية نتيجتها تولّي فرنجية رئاسة الجمهورية وتولّي الحريري رئاسة الحكومة هي هزيمة لا تسوية، خصوصا وأن رئاسة مجلس النواب من حصة محور الممانعة، فالمفترض تقديم تنازلات حقيقية من 8 آذار باتجاه القانون الانتخابي وآلية العمل الحكومي وتحييد السلاح غير الشرعي قدر الممكن في الحياة السياسية المحلية وتأكيد سيادة الدولة اللبنانية على قراري الحرب والسلم، وما أخشاه أن يؤدي وصول فرنجية إلى كرسي الرئاسة الأولى دون مقابل مقنع للدولة اللبنانية ولثورة الأرز إلى تعزيز التطرف السنّي والمسيحي معا.

هذه حقيقة لا بد من إقرارها، أن نتائج المفاوضات التي جرت بين سعد الحريري وميشال عون أهم مما نسمعه هذه الأيام بين الحريري وفرنجية، وسبب ذلك معروف، أن عون يستطيع تقديم ما لا يستطيع فرنجية تقديمه، وفي رأيي أن الوصول إلى تسوية حريرية عونية أشرف للحريري مما نسمعه هذه الأيام، وفشل المفاوضات الأولى يتحمله الحريري وعون مجتمعين، إذ كان يجب أن تكون القوات اللبنانية في كواليسها منذ اللحظة الأولى من طرف تيار المستقبل، وكان يجب أن يتحلى عون بالاتزان أثناء التفاوض وبعده لكن فاقد الشيء لا يعطيه.

كصحافي مختص، لا أستطيع الإجابة هل ترشيح فرنجية فكرة سعودية أو حريرية، لكن الإجابة لم تعد مهمة، فالمهم دائما في السياسة: لماذا وكيف وما المقابل؟ ووفقا للجواب نعرف الحال، هل ستربح المملكة وحلفاؤها أم أن الخسارة من نصيب الجميع.

ربما تسبق تطورات الأحداث هذه المقالة، لكن السعودية يجب أن تعيد النظر في سياساتها اللبنانية، وأهمية لبنان تتلخص في إطلالته على الصراع العربي الإسرائيلي وعلى الثورة السورية وعلى البحر المتوسط، وقد يقول قائل إن لبنان لا أهمية له وليواجه مصيره، وهذا كلام لا علاقة له بالسياسة، وليس أدل على ذلك اهتمام إيران وإسرائيل.

سنّة لبنان يتميزون عن غيرهم بأنهم الأقل تلوثا بالإسلام السياسي، وهذه زاوية لا بد من حمايتها وتعزيزها لحاجة الحرب على الإرهاب إلى نموذج، ولضرورة المحافظة على التمثيل المدني للسنّة.

وفوق ذلك المطلوب هو توثيق علاقة المملكة بأطياف التنوع اللبناني لكسر الصورة التي تسوقها إيران وداعش عن الإسلام والسنة، فإيران تتقدم عربيا وإسلاميا بنظرية تحالف الأقليات، والتفات المملكة إلى أطياف التنوع يعزز العروبة والسلم الأهلي ويضرب نظرية تحالف الأقليات في مقتل، وينقذ صورة الإسلام من الإرهاب المعادي للتعايش والتسامح، هذا غير فوائد أخرى تنعكس على المملكة وعلى العروبة والإسلام، فالعلاقة السعودية المسيحية لها امتدادها الغربي، والعلاقة السعودية العلوية لها امتدادها المتوسطي، والعلاقة السعودية الشيعية (مع الشيعة الموالين للعروبة) صوت مؤثر داخل إيران والعراق، والعلاقة السعودية الدرزية نفق سريع إلى فلسطين والأراضي المحتلة.

نعم هناك علاقة سعودية ببعض هذه الأطراف، لكن هناك حاجة إلى التعزيز وإلى الإدارة السليمة والاستثمار الأقصى. لو تطرّقنا إلى التفاصيل فنحن بحاجة إلى حديث طويل، لكن على الصعيد الاستراتيجي ليس هناك مدخل لإنقاذ لبنان واستقراره غير إحياء وتوحيد قوى 14 آذار المنبثقة عن ثورة الأرز التي ليس لها إلا معنى واحد، الدولة والاعتدال، ولا يفتقد عرب اليوم غير الاعتدال والدولة، وكلمة السر هي اتفاق الطائف الذي يحدد العدو والصديق وموضوع الصراع.

المصدر:
العرب

خبر عاجل