#adsense

سجون وساحات – حبيب بستاني: ماذا كنتم تفعلون عند ستريدا؟

حجم الخط

عضو لجنة منسقية بعبدا، ورئيس مركز المريجة في “القوات اللبنانية”، “قواتي حتى العظم” وملتزم حتى آخر رمق بالقضية. هكذا يوصّف حبيب بستاني موقعه في “القوات اللبنانية” وإنطلاقًا من هذا الواقع يشرح التزامه ببيت الحكيم في يسوع الملك طيلة 11 عامًا من الصبر والعمل بصمت من أجل أن تتحقق العدالة وتظهر الحقيقة. عن تلك المرحلة وذاك النفق المظلم وما قبله يتذكر بستاني محطات في هذه السطور.  

تهجّر مع أهله من المريجة فالتحق مع شباب بلدته بجبهة الحدث وأسسوا لهم مركزاً خاصاً في الخريبة (الحدث) يمارسون من خلاله نشاطهم المقاوم. منذ العام 1975 شارك حبيب بستاني وهو في سن السابعة عشرة في كل المعارك ضد الفلسطينيين، من القنطاري الى كفرشيما وعين الرمانة… وأصيب في الأسواق عند منطقة ستاركو. إلا أنّه عندما تعافى عاد الى مقاومته بعزم أكبر وفاء للشهداء الـ 16 من رفاقه من منطقة المريجة الذين سقطوا على مختلف الجبهات. وهنا يؤكد بستاني “كنا نسكر بالشهادة لأننا نعرف أن شهيدنا يموت ليحيا لبنان”.

بعد العام 1986 يقول بستاني “بدأت أميل للدكتور جعجع، وبين إيلي حبيقة والدكتور سمير جعجع إخترنا أنا ورفاقي المريجيين أن ننضم الى الدكتور جعجع، لكن لقائي الأول به كان منذ العام 75 عندما طُلب مني في حزب “الكتائب” أن أتوجه الى منطقة الشمال مع الرفيقين نديم الطويل وايلي عطالله لتدريب الشباب فوق، ومذاك بدأت معه مسيرة الدرب الطويل”.

كان يتولى مهمة رئاسة مركز المريجة في “القوات اللبنانية” في العام 1994 عندما بدأت مرحلة جديدة للمقاومة. وقبل أن يعتقل الدكتور جعجع زاره في غدراس مع الرفيق نادي غصن وقال له “يا حكيم هل تعرف مع أي صنف من الناس تتعامل؟ هؤلاء لا حدود لزعرناتهم. فجرّوا كنيسة”!! فرد عليه الحكيم واثقًا “ما تعتلوا همّ”. يكمل بستاني “لكن الكل يعرف الحكيم عندما يقرّر لا مجال لثنيه عن قراره. وهو بالطبع يعرف أكثر منا ما الحكمة من قراراته. وبالفعل دخل الى السجن وكانت صدمة لنا. وصدمتنا كانت من بعض المسؤولين القواتيين السابقين الذين كان يفترض أن يكونوا ممسكين بزمام الأمور الى جانب ستريدا جعجع.

في الحقيقة وفي ذاك الوقت شعرت أننا مؤتمنون على تلك السيدة التي تركت وحيدة في الساحة. كنا نلتقي كشباب الحدث وبعبدا والمريجة ونبحث ماذا يمكن أن نفعل والدمعة في عيون الكل رجالاً ونساء. كنا تحت تأثير الصدمة حتى أنني بعد إعتقال الحكيم دخلت الى المستشفى لمدة أسبوع نتيجة التعصيب والقهر. إسودت الدنيا في عيني، وأحسست أنو راحت على المسيحيي بلبنان. الى أن جاءت المحامية ريتا ملاط وقالت لي أن السيدة ستريدا بحاجة لأن نكون الى جانبها، فانضممت الى مجموعة الشباب التي التحقت ببيت الحكيم في يسوع الملك.

بدأت العمل بالتنسيق مع السيدة ستريدا على الشؤون الاجتماعية الخاصة بالقواتيين وعائلاتهم، لا سيما الذين كانوا يلجأون إليها لمساعدتهم على دخول مستشفى أو دفع أقساط المدرسة أو مسائل أخرى في ظل الاضطهاد والحرب التي كانت معلنة على القواتيين على مختلف الأصعدة، وأنا أشهد أن ستريدا كانت طيلة السنوات التي بقي فيها الحكيم معتقلاً تؤدي دور مسؤولة الشؤون الاجتماعية لكل القواتيين لا سيما عوائل الشهداء والمعوقين. كل منا كان يسهم إما بعلاقاته أو بماله الخاص لحل مختلف الأمور. بمعنى آخر أخذنا على عاتقنا أن نبقى الى جانبها. لذلك كنا نلتقي معها في يسوع الملك كل خميس، وهناك كانت تطلعنا على كل الحاجات المطلوبة ونبحث معها في التحركات الشعبية والسياسية التي يمكن أن نقوم بها للتذكير ببراءة الحكيم وقضية “القوات اللبنانية” التي لا تموت. في طريق العودة وبعد أن نكون قد حاولنا الإفلات من القوى الأمنية التي كانت تطوّق بيت يسوع الملك كنا في كل مرة نجدهم بانتظارنا على مستديرة الصياد فيتم توقيفنا وجرّنا الى وزارة الدفاع للتحقيق، أما أسئلتهم فكانت دائمًا: “ماذا كنتم تفعلون عند ستريدا؟ شو حكيتوا؟ شو مقررين تعملوا؟ لشو بتطلعوا لعندا؟ وكان ردّنا دائمًا أن زيارتنا لمجرد الإطمئنان عليها ولمساعدتها في بعض الأمور الاجتماعية”.

يتابع بستاني: “أنا شخصيًا فخور بأنني عايشت السيدة ستريدا الـ 11 عامًا بكل قساوتها وبشاعتها. أذكر أن زيارة النائب وليد جنبلاط الى يسوع الملك شكلت نقطة تحوّل بالنسبة لنا، شعرنا أننا ندخل فعلًا مرحلة جديدة ستكون نهاية للنفق الذي عشنا في داخله سنوات.

عام 2004 إبان الإنتخابات الفرعية في بعبدا إثر وفاة النائب بيار حلو ترشح هنري حلو وحكمت ديب. وصلتني معلومات وأخبار أن أحد المحسوبين علينا ينسّق ويعمل ضد توجهات “القوات” مع أنه كان معنا في تلك الحقبة. فرصدناه أنا وبعض الشباب في منطقة كفرشيما يحرّض شبابنا فوق لإنتخاب حكمت ديب فتوجهت إليه ووجدته في سيارة مع عدد من الأشخاص أعرف أنهم من أمن الدولة في أحد شوارع كفرشيما، أنزلته منها و”دقيناه قتلة” ولولا تدخل بعض الرفاق لما فلت من بين يدي، كنت إبتليت به. يومها قامت القيامة عليّ من المسؤولين القواتيين، وزعلت مني ستريدا لكنني تصرفت بمبادرة فردية أنا والشباب وقررنا أن نتحمل العواقب مهما كانت صعبة. وبالفعل عاد العونيون وعناصر من أمن الدولة وكمنوا لي قرب كنيسة مار جريس الخريبة واعتدوا علي بالضرب. يومها تلقيت ضربة بشلف حديد على رأسي وكسر أنفي… ما استدعى دخولي الى المستشفى لنحو أسبوع أيضًا. وكنت قد تلقيت معلومات تحذرني أنهم سيلطون لي في مكان عام، لا لقتلي، بل لضربي وإهانتي إنتقامًا لهذا الشخص وهكذا صار”.

حبيب بستاني “قواتي عتيق” كما يحلو أن يصف نفسه “يعشق سمير جعجع” كما يوصّف علاقته بالحكيم ولا يخجل بذلك ولا باتهامه “بتأليه” القائد، لأنه ثابت القناعة أن شخصية الدكتور جعجع إستثنائية ولا تتكرّر. وإذا مازحته وقلت له “إذا قلنا العكس مناكل قتلة”؟ يردّ بثقة “قتلة من كعب الدست”!!!

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل