
لم يمر إسقاط تركيا للطائرة الروسية مرور الكرام في أروقة موسكو السياسية. الدب الروسي يريد الثأر للإهانة التي تلقاها، فإختار ما يوجع “خصمه” الجديد: “الحرب” الاقتصادية.
الحرب تلوح في الأفق ولكل دولة أسلحتها ونقاط قوتها. فيما المواجهة بين تركيا وروسيا تشتد وطأتها يوماً بعد يوم، فيما تأخذ المسألة الاقتصادية حصة الأسد من المواجهة. تتصدر الأرقام مشهد التطورات الأخيرة بين الدولتين على حساب الطائرات والصواريخ، فمن الرابح في المواجهة الإقتصادية بين تركيا وروسيا؟
خلال السنوات الماضية نمت العلاقات الاقتصادية بين الدولتين بشكل ملحوظ، فوصلت القيمة التجارية في آخر تسعة أشهر إلى 18 مليار دولار. إلا أن خسائر العقود المحتملة من المواجهة المستجدة بين الدولتين ستكبدهما حوالى 44 مليار دولار، وخاصة تلك العقود المتعلقة بالغاز.
مما لا شك فيه أن الأزمة السياسية بين الدولتين ستؤثر على أوضاعهما الإقتصادية بشكل كبير. أما الوعد الذي أطلقه رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان خلال لقاءه نظيره الروسي العام الماضي، والذي توقع فيه زيادة التبادل بين الدولتين إلى 100 مليار دولار مع حلول العام 2020 فبات أقرب إلى الحلم منه إلى الحقيقة.
قد يتحول السبب الأساسي لتقارب روسيا وتركيا في الماضي إلى سلاح في الوقت الحاضر. الغاز والحاجة جمعا “الصديقين” اللدودين سابقاً، فتحولت تركيا إلى ثاني أكبر مستورد للغاز من روسيا، وباتت الشركة الروسية Gazprom تزوّد السوق التركي بحوالى 60% من حاجاته من الغاز. إلا أن فرض قيود على الغاز المُصدر إلى تركيا سلاح ذو حدّين، إذ أنه يسبب في خسارة روسيا سوقاً كبيراً، وبالتالي زيادة عجز موازنتها.
كذلك الأمر، للدولتين الكثير من المشاريع المشتركة والمفيدة لهما على حد سواء، ومنها بناء خط أنابيب TurkStream لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا دون حاجة المرور بأوكرانيا. فيما تبقى ورقة إيقاف العمل بهذا المشروع في يد الجانب التركي، الذي يمكنه أن يزيد من عزلة روسيا عن العالم في حال وصلت المواجهة بين الطرفين إلى طريق اللاعودة.
بالإضافة إلى ذلك، لروسيا إستثمار بقيمة 20 مليار دولار لبناء محطة للطاقة النووية على الأراضي التركية، وهي “صفقة” مربحة للطرفين، والتي يستمر الجانبين في التعاون حولها رغم الأزمة السياسية الحالية.
كما في الطاقة كذلك في المواد الغذائية، الحرب الروسية على تركيا يمكنها أن ترتد عليها. ولهذه الأخيرة خوف كبير من خسارة السوق الروسي الذي صرّف من منتجاتها الغذائية ما قيمته مليار دولار في الأشهر العشر المنصرمة. ولمعرفة روسيا ربما بأن لوي زراع تركيا قد يكون من باب المواد الغذائية، ركز الكرملين “حربه” الإقتصادية في هذا المضمار. فأمر وزير الزراعة الروسي “اليكسندر تشايفوك” بتشديد الرقابة على المنتجات التركية، وأعلن، دون إنذار سابق، أن 15% من المنتوجات غير مطابقة للمعايير الصحية الروسية.
كذلك الأمر، وبحسب الوكالة الروسية “إنترفاكس”، عمدت الهيئة الحكومية لحماية المستهلك إلى سحب حوالى 800 كيلوغراماً من المواد الغذاية التركية من الأسواق الروسية خلال الأسبوع الماضي. كما وصل “الجنون” الروسي إلى حد أن اعتبر مساعد رئيس الوزراء “أن شراء بندورة واحدة من تركيا يساهم بإطلاق صاروخ إضافي وقتل رجال روسيا”.
سلاح آخر دخل الترسانة الروسية في حربها الإقتصادية على تركيا. السياحة التي تشكل إحدى نقاط قوة الإقتصاد التركي تعرضت إلى “هزة” بعد أن طالب وزير الخارجية مواطنيه بعدم الذهاب الى تركيا، وحث الموجودين فيها على المغادرة. ونزولاً عند رغبة الحكومة أوقفت وكالات السفر بيع تذاكر الرحلات الى تركيا، فيما تحوّل التمني التركي بتوجه السياح الروس إليها بعد العمل الإرهابي الذي طال مصر إلى سراب.
وتشكل نسبة الزوار الروس حوالى 10% من مجمل السياح القادمين إلى تركيا، والذي يقدر عددهم بـ4.4 مليون في السنة، ويؤمنون حوالى 2.7 مليار دولار كدخل من القطاع السياحي. فيما الخسائر ستطال كذلك أرباح شركة الطيران التركية التي كانت إلى الأمس القريب أهم الشركات الأجنبية في مطارات روسيا. ويقدر ان الشركة تنقل حوالى مليون راكب من والى مطارات روسيا وقد زاد عدد رحلاتها 16% خلال العام 2015.
التصريحات النارية المتعلقة بالعقوبات الاقتصادية بين البلدين دفعت المستثمرين الى التريث في توقيع عقودهم الجديد، ودفع الجميع لأخذ موقف التريث بدل المغامرة. وفي وقت يزداد هبوط سعر النفط على الصعيد العالمي، ويدفع الروبل الروسي للهبوط كذلك. هل بات الاقتصاد الروسي عرضة لخطر السقوط أكثر، وهو الذي يدفع ثمن الحرب الجوية على سوريا، وثمن العقوبات من جراء الاعتداء على أوكرانيا، والذي كان قد لحظ اخيرا هبوط بـ8.5 % من قيمة الأجور منذ بداية العام الحالي؟
بموازاة ذلك، فإن إقتصاد تركيا في حال ركود، ولا تبدو في وارد خسارة شريك إقتصادي أساسي لها كالشريك الروسي. فللمواجهة الاقتصادية أخطارها الكبيرة على البلدين، وكلاهما لا يتحمل عواقب مالية أو أزمات إضافية، الأمر الذي يجعل تدهور العلاقة الاقتصادية بينهما بشكل دراماتيكي أمر مستبعد.