
في ظل ما يحكى ويشاع في الأروقة عن وجود أجواء استعدادات لتسوية سياسية لبنانية يجري طبخها بعيداً عن الاضواء، أطلق مؤشرات التكهنات حولها، خطاب امين عام “حزب الله” الاخير واشارته الى ان تكون التسوية تحت سقف الطائف، نجد من المناسبة تسجيل الملاحظات التالية :
اولاً: ان التسوية واي تسوية تحت سقف الطائف تفترض بداية اقراراً من جميع اللبنانيين بأن لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه، ما يتطلب اقتناع كافة القوى السياسية اللبنانية ولا سيما تلك المراهنة على الخارج والرابطة لمصيرها ومصير لبنان بالخارج والعاملة على خدمة الخارج، بأن لبنان هو الوطن والملاذ الاول والأخير لهم وما التطلع الى الخارج الا لخدمة مصالح الوطن لا التضحية بمصالح الوطني في سبيل خدمة الخارج. فاي تسوية لا تبنى على هذه المسلمة الميثاقية لن تكون جدية ولن يكتب لها أي نجاح.
ثانياً: إن التسوية تحت سقف الطائف تفترض عودة فريق من اللبنانيين الى روحية وفكر الانتماء العربي، لأن لبنان وفق الطائف عربي الهوية والإنتماء، ما يعني تخلي البعض عن الاسطباغ بصبغات إتنية وعرقية وثقافية، لا تمت بصلة الى العروبة ولا الى متطلبات الإنتماء العربي لا بل تناقضها عبر التاريخ وفي العديد من المحطات السياسية والقومية .
فالعروبة التزام فكري وثقافي وتراثي وليس باسبوراً تعاقدياً يمكن فسخه او عقده في اي وقت وعلى مزاجية المصالح الذاتية او الآنية .
ثالثاً: إن التسوية تحت سقف الطائف تفترض الإقرار بأن ارض لبنان واحدة لكل اللبنانيين وأن لكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع بسيادة القانون، فلا يفرز الشعب على أساس انتماء اياً كان هذا الانتماء، ما يطرح وبقوة مصير المربعات الامنية والجيتوهات المذهبية والحزبية والمناطقية التي ينبغي ازالتها واعادتها لسيادة وإمرة الدولة والقانون وسلطان المؤسسات الشرعية .
رابعاً: إن التسوية تحت سقف الطائف تفترض ايضاً موافقة فريق من اللبنانيين على وضع قانون انتخابي يؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب واجياله ما يعني القبول المسبق بحق كل شريحة ولو اقلية ضمن طائفتها او مذهبها بأن تتمثل في المجلس النيابي، ما ينهي احتكار المحادل الكبرى للتمثيل الطائفي او المذهبي من خلال السماح بحرية بروز شخصيات ونواب يمثلون التعددية من ضمن الطائفة الواحدة والمذهب الواحد، ما يطرح السؤال عالياً حول استعداد فريق من اللبنانيين ولا سيما “حزب الله” نفسه بالقبول بممثلين للشعب من خارج نسيجه السياسي والحزبي في المناطق التي يسيطر عليها .
خامساً: إن التسوية تحت سقف الطائف تعني ايضاً وايضاً حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة اللبنانية، ما يعني موافقة الحزب على تسليم سلاحه الى الشرعية اللبنانية، كما تعني التمسك باتفاقية الهدنة تاريخ 23 اذار 1949 والاستمرار في تنفيذ القرار 425 على التراب اللبناني، الأمر الذي يحتم موافقة الحزب على ترسيم الحدود وإخراج حجة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا من لعبة خدمة نظام بشار الاسد لإبقاء لبنان مرتبطاً بازمة المنطقة من دون طائل والتوقف عن أعمال “المقاومة” التي فقدت كل مشروعيتها وشرعيتها منذ لحظة توجيه بندقية المقاومة تلك الى الداخل السوري حماية لنظام سفاح وطاغ وعراب لكل الحركات الإرهابية في المنطقة وصولاً الى “داعش” و”النصرة”.
فالعمل على تسوية تحت سقف الطائف يتطلب قبل أي شيىء الإقرار بأن اتفاق الطائف في القسم الاكبر منه لم يطبق، وقبول “حزب الله” بالطائف سقفاً لاي تسوية، الا اننا لا نرى كيف يمكن أن يضمن الـ”حزب” عدم انقلابه على اي تسوية جديدة وهو الذي لم يكن ملتزماً بالتسويات السابقة، ليس اقلها اتفاق الدوحة حيث خرق الاتفاق في اكثر من صعيد، لاسيما عند تقديم وزراء حلف 8 اذار استقالتهم الجماعية في حكومة الرئيس سعد الحريري، علماً بأن الإتفاق كان نص على تعهد الجميع بـ”عدم الاستقالة او اعاقة عمل الحكومة “، علماً أيضاً أن اتفاق الدوحة كان قد نص ايضاً على حصر السلطة الأمنية والعسكرية بيد الدولة وسواها من التزامات، لم تراعى من قبل الحزب وحلفائه بالذات .
إن أردنا تسوية تحت سقف الطائف فإن الواجب الاول اعلان التقيد بالطائف والإلتزام بما لم ينفذ منه شيىء الى الان وعدم التعاطي معه من منطلق امكان تعديله وبالتالي التقيد باحكامه الاساسية البنيوية والتأسيسية كي تأتينا التسوية الموعودة تحت سقفه …