.jpg)
غداة التوقيع على الاتفاق النووي بين الغرب وايران برزت الى الوجود توجهات تسووية لمنطقة الشرق الأوسط، ومن بينها الوضع في لبنان. لكن تلك التوجهات وضعت على نار حامية اثر التدخل الروسي في سوريا والذي اطاح بمعادلات عدة، اهمها معادلة استئثار ايران بالورقة السورية ما بدأ يرفع من منسوب اللجؤ لتسويات تراعي من جهة مصالح ايران المتبقية في المنطقة ومن جهة ثانية مصالح الغرب المركز بالدرجة الاولى على مكافحة الارهاب، وقد زادت اعتداءات باريس الإرهابية الأخيرة من قناعة تيار سياسي وديبلوماسي واسع النطاق، على ضرورة القضاء على الارهاب من البوباة السورية .
إنطلاقا من هذا الجو العام توجهت الاهتمامات الغربية في الآونة الأخيرة الى لبنان من منظور عدم الاكتفاء بالاستقرار الامني، ولو في حده الأدنى، انطلاقاً من قناعة لدى الغربيين بأن هذا الإستقرار يبقى هشاً وهو معرض للسقوط مع تصاعد التوتر في سوريا والمرشحة ان تشهد تصعيداً كبيراً في الفترة المقبلة يطيل من أمد الحرب ويمكن بالتالي أن ينعكس بشكل مباشر على الإستقرار الداخلي .
فبموازاة دعم الجيش اللبناني بالسلاح والعتاد لمواجهة الإرهاب والإرهابيين، تكونت لدى بعض الدوائر الغربية، الفرنسية والاوروبية قناعة بوجود فرصة مناسبة للعمل على تحييد لبنان ليس فقط امنياً بل وايضاً سياسياً لتدارك اي انتكاسة لأي تفجير، بما أن الارضية هشة في الداخل، وعليه ارتسمت معالم تسوية للشأن اللبناني قوامها الاساسية انتخاب رئيس وتشكيل حكومة ائتلافية واقرار قانون انتخاب لاعادة عجلة الحياة الطبيعية في حدها الادنى من الاستقرار السياسي والمؤسساتي .
وقد بنيت معالم التسوية اعلاه على الاعتبارات الاتية :
إن الأزمة السورية مرشحة لتستمر وتستعر اكثر لفترة طويلة وبالتالي لم يعد مقبولاً لدى الغرب بقاء لبنان معلقاً سياسياً على حل الصراع في المنطقة لأن الوقت سيأتي على ما تبقى من لبنان دولة ومؤسسات، خاصة وأن الاوروربيين ومعهم الاميركيين باتوا على قناعة بضرورة الحفاظ حتى في الدول العربية التي تشهد ازمات وصراعات، على حد ادنى من مؤسسات الدولة، وبالتالي لا يمكن أن يستمر اللبنانيون في انتظار ما ستؤول اليه التطورات السورية والاقليمية ليقرروا مصير بلدهم الواقف على كف عفريت التطرف والإرهاب والتطاحن المذهبي ما ينذر آجلاً ام عاجلاً، بسقوط كامل لمؤسسات الدولة وحصول فوضى شاملة تنهك القيمين على طبخ التسوية الكبرى، والذين لا يناسبهم وجود اي ملف ساخن في لبنان يشغلهم عن الطبخة الاقليمية .
وبالتالي لا بد من فصل لبنان عن ازمة سوريا والمنطقة ومن هنا تفعيل اعادة احياء المؤسسات بدءاً بانتخاب رئيس للجمهورية، خاصة وأن موقف كل من ايران والسعودية المعلن يصب في خانة ضرورة انتخاب رئيس للبلاد، وإن من منطلقات مختلفة لكل منهما .
وللتمكن من فصل لبنان عن أزمة سوريا والصراع الدائر في المنطقة، لا بد من التوجه الى الرعاة الاقليميين للوضع اللبناني: ايران والسعودية بالدرجة الأولى، فإيران خسرت الورقة اليمنية، وها هي تخسر ورقة الاستئثار بالورقة السورية وبالتالي لم يتبقَ لها سوى الورقة اللبنانية، أما السعودية التي ربحت الورقة اليمنية والتي لا زالت تصارع من أجل إسقاط نظام الاسد في سوريا فقد أصبحت في وضعية افضل استراتيجياً تمكنها من التنازل قليلاً لايران على قاعدة مقايضة الورقة اليمينة التي تنازلت عنها ايران للسعودية بالورقة اللبنانية، من خلال جائزة ترضية تمنح ايران مكسباً سياسياً يبرر لرأيها العام هذا التورط الكبير لها ولـ”حزب الله” في الصراع السوري، بعدما وصلت ايران الى حافة الهاوية الاقتصادية والمالية بفعل الإنفاق الضخم على نظام الاسد للبقاء عليه طوال السنوات الاربعة الماضية، وقد بلغ العجز الايراني المالي حداً باتت طهران ترد على طلب الأسد بتمويله باشتراط ضمانات عينية وبنكية دولية من الدولة السورية، لأنها لم تعد قادرة على الانفاق بلا سقف وبلا حدود على دعمها للاسد، ومن هنا يمكن فهم مبادرة او شبه المبادرة التي اطلقها امين عام “حزب الله” اخيراً والتي رأت فيها بعض الدوائر الديبلوماسية مؤشراً هاماً على الإرهاق الايراني الذي وصل الى حد دقيق وخطير .
وبالتالي فإن المقايضة تفترض منح ايران في لبنان نوعاً من جائزة ترضية سياسية، وبالتالي ايصال رئيس للجمهورية محسوب على خط 8 اذار المدعوم ايرانياً، ومقرب اكثر من الأسد مما هو عليه مثلاً النائب ميشال عون، الذي لم تبلغ علاقته بالاسد اهمية علاقة فرنجية بالاخير في مقابل اسناد رئاسة الحكومة للحريري ورئاسة مجلس النواب للرئيس نبيه بري وتشكيل حكومة ائتلاف وطني تمهد لقانون انتخابات واجراء انتخابات جديدة في ظل قانون متوافق عليه من اللبنانيين على قاعدة النسبية (وليس الاكثرية كما قانون الستين).
وعلى هذا الأساس وضعت صيغة التسوية على نار حامية واندفعت اميركا والى جانبها بعض الأوروبيين في تسويق الصيغة، مراهنة في ذلك على الرئيس سعد الحريري والرئيس نبيه بري والوزير وليد جنبلاط، على أساس أن جنبلاط وبري قادرين على اقناع “حزب الله” وبالتالي عون، فيما الحريري أخذ على عاتقه اقناع حلفائه ولاسيما المسيحيين بالسير في التسوية مرحلياً لحين البت في الملف الاقليمي وحلول ساعة التسوية الكبرى .
بالمقابل ينظر الغربيون الى الوضع السوري وفقاً للتصور الآتي:
إن دخول روسيا الى سوريا غير في المعادلة الاقليمية والدولية لجهة غش الروس الرأي العام الغربي بتصوير تدخله بانه لضرب “داعش” والارهاب، في وقت اتضح مع الوقت تركيز القصف والغارات الجوية اكثر فاكثر على الثوار السوريين والجيش الحر وخصوصاً التركمان في الحدود الشمالية لسوريا المتاخمة لتركيا – وهؤلاء اهم الحلفاء للاتراك – وقد بلغت موسكو في انحيازها للأسد حد تسويق وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف للائحة اعدها نظام الاسد بالمعارضين “المقبولين” من النظام للحوار وكلهم من معارضة الداخل فيما الغرب يدعم معارضة الخارج ويسعى في فيينا وجنيف الى ان تكون هي موحدة على الطاولة .
من هنا تبرز اليوم تركيا وكانها خط الدفاع الاساسي عن حلف الاطلسي والغرب في مواجهة التمدد الروسي في القصف والغارات، وما اسقاط الطائرة الروسية اخيراً الا الانذار الاطلسي – اكثر مما هو التركي للروس – وهذا ما يفسر في نظر المصادر الديبلوماسية عدم تطور الخلاف بين الروس والاتراك الى مواجهة مباشرة، لا موسكو ولا انقرة على استعداد لها ولا هي في اجندتهما، فالمواجهة لن تتعدى في مطلق الأحوال عقوبات اقتصادية وجفاء ديبلوماسي لن يصل الى حد القطيعة، لان الاميركيين والغرب بحاجة ماسة استراتيجياً وجيو – سياسياً لتركيا، لاسيما في المرحلة الحالية والمقبلة لمساعدتهم على وقف الهجرة الكثيفة عبر تركيا الى اوروبا. الاتصالات تدور الآن بين الغرب وتركيا على منحها حوافز تشجعها على وقف الهجرة والتخفيف بالتالي على الاوروبيين تدفق اللاجئين الى القارة العجوز، ما سيدفع بالروس آجلاً ام عاجلاً الى الجلوس مع الاتراك والغرب على طلولة تنسيق وتسوية واحدة، وبالتالي فإن أقصى ما يمكن ان تشهده العلاقات الثنائية التركية – الروسية توتر سياسي واقتصادي وتبادل تهم دعم تركيا لـ”داعش” ودعم الروس لسفاح السنة بشار الاسد .
وبالتالي فإن المرحلة القادمة في سوريا مرشحة الى مزيد من التعقيدات السياسية والعسكرية، فالروس الذين وعدوا باتمام مهمتهم بالقضاء على الإرهاب في خلال اربعة اشهر، زاد من ظاهرة ” تدعيش ” المقاومة السورية المستهدفة اكثر من “داعش” نفسها، وبالتالي فان المأزق الروسي بدأ يرتسم في الافق، خاصة وان امكانات روسيا المادية وعلى الرغم من تصريحات الكرملين والمسؤلين الروس المعاكسة، لا تجعل موسكو قادرة على اطالة تدخلها وانفاقها الحربي في سوريا، كما ان الرأي العام الروسي لا يرى في قسم كبير منه بعين الرضى تورط بلدهم في الصراع السوري والاقليمي، وقد كانت حادثة مقتل الطيار الروسي الاسير مؤخراً نتيجة اسقاط طائرته من قبل الاتراك كفيلة باشعال موجات انتقاد واسعة وسط الرأي العام الروسي لسياسات بوتين وقرراه بالتدخل العسكري، الامر الذي يزيدنا تأكيداً وجزماً بأن لا تدخلاً برياً للروس ولا حسماً برياً للحرب ضد الارهاب من اي دولة غربية، واذا كان لا بد من تدخل بري فلتتولاه جيوش الدول العربية والإسلامية الحليفة للغرب .
تجدر الإشارة الى ثلاث ثوابت اقليمية حالياً:
الثابتة الاولى: لا تدخلاً برياً عسكرياً في سوريا، خصوصاً من الروس والغرب بل تكثيف للقصف الجوي في اقصى حد، ما يطيل امد الصراع والمواجهة في سوريا، لأن أي تدخل بري غربي سيشعل التطرف الإسلامي اكثر فاكثر ويرتد بعملياته الإرهابية والإنتحارية الى عمق الدول الغربية، فضلاً عن تنامي الشعور المعاديعلى غرار الدرس الاميركي في العراق والروسي في افغانستان والفرنسي في مالي .
الثابتة الثانية: لا عودة لسوريا كما كانت وقد انهت بعض التوجهات لدى دوائر ديبلوماسية غربية رسم خريطة سوريا المستقبلية على اساس دويلة العلويين التي تناسب الجميع: الروس لاحتفاظهم فيها بقواعدهم العسكرية، الايرانيون ومعهم “حزب الله” للتمكن من ايجاد منفذ رابط بين الدولة العلوية والمناطق الشيعية اللبنانية شمالاً وبقاعاً، الاميركيون والغرب اجمالاً لانتهاء الصراع من دون سقوط الدولة بحدها الادنى من المؤسسات وانحسار الخطر الارهابي عنها ووقف الهجرة الى اوروبا، واسرائيل لكون تقسيم المنطقة العربية خير ما كانت تحلم به منذ نشأتها لاسيما وأن العراق لم يعد ينقصه الا الاعلان الرسمي عن تقسيمه ضمن صيغة فدرالية بين جنوب شيعي ووسط سني وشمال كردي، وبالتالي لا التدخل الروسي سيعيد بشار الى حكم سوريا ولا سوريا ستبقى كما هي ليحكمها حاكم واحد، فمن سيعيد بناء سوريا لن يكون بالتأكيد الروسي او الايراني بل الاميركي والغربي والعربي الخليجيين، ومن هنا مراهنة الغرب على فشل التدخل الروسي على المديين المتوسط والبعيد.
الثابتة الثالثة: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة في سوريا والتي ستقرر مصير المنطقة باكملها، وبالتالي من الضروري بمكان خلق اوضاع آمنة ومستقرة في المحيط السوري وتحديداً في لبنان حيث الورقة الايرانية – الحزب الآهية جاسمة، وهذا ما يفسر توجه ايران الى التسوية اللبنانية بعدما ايقنت طهران ان التدخل الروسي بات يضر بمصالحها في سوريا على الرغم من التنسيق الامني والعسكري والمخابراتي بين الايرانيين والروس، وقد سحب من يدها ورقة الأسد بعد كل التضحيات التي قدمتها والميليشيات المحسوبة عليها وهذا ما بدأت شخصيات رسمية ايرانية تصرح به في السر والعلن منذ ايام معدودة.
تكونت قناعة دولية اقليمية مفادها ان اللبنانيين يريدون رئيساً للجمهورية وهم محرومون منه منذ اكثر من نيف وسنة، فلتحقق لهم الامنية، خصوصاً وان الدولة الى انهيار والاقتصاد الى تلاشي والاوضاع المعيشية والحياتية الى تدهور مخيف ينذر بكوارث داخلية لا طاقة ولا مجال للغرب المنهمك في معاركه الكبرى في المنطقة للتفرغ لها. ففي ظل كل تلك الصعوبات والمشاكل والازمات اللبنانية الداخلية وتحديداً الفراغ الدستوري وشلل المؤسسات الرسمية والحكومة والمجلس النيابي، ظواهر تلامس ما يعتبره الغربيون الخطوط الحمر التي تجعلهم يعيدون الاهتمام بلبنان انما من باب المصالحة الموقتة لهم في ضمان اكبر قدر من الاستقرار السياسي والداخلي اللبناني من خلال إعادة احياء المؤسسات ومعالجة القضايا الطارئة والعاجلة والحيوية للبنانيين ريثما تنتهي ازمة المنطقة او تجد التسوية طريقها الى الحل، فسيان لديهم إن كان الرئيس 8 اذار او 14، وان كان فرنجية او عون او جعجع، المهم ان يصار الى توافق لبناني على مرحلة اعادة احياء المؤسسات الدستورية ودوران عجلة الحياة السياسية والوطنية ومعالجة الملفات الشائكة لتحييد لبنان امنياً وسياسياً وداخلياً من تداعيات ما هو قادم في المنطقة من اعاصير مدمرة .
