إفتتاحية “المسيرة” – بين عهد الوصايا وعهد الوصاية

إفتتاحية “المسيرة”: العدد 1537

لا تتعلق المسألة بالأشخاص بل بالخيارات. ولا تتعلق بالمحطات  بل بالمسارات. فثمة عهد مضى هو عهد الوصاية وثمة عهد يجب أن يكون هو عهد الوصايا. فبعد عشرة أعوام على خروج الجيش السوري من لبنان لا يمكن أن تقبل “القوات اللبنانية” أن يتم اختيار رئيس الجمهورية على الأسس نفسها التي كان يحصل فيها عندما كان رئيس النظام السوري حافظ الأسد يسمي رئيس جمهورية لبنان. ولا تقبل أن يتكرر اليوم ما كان يحصل منذ العام 1990. فالخروج من الفراغ يفترض أن يكون نحو استعادة الجمهورية وسلطة الدولة بكل العناوين التي تشكل معنى السيادة فيها وليس الإنتقال إلى فراغ جديد يمدد للوضع القائم وقد يكون قاتلاً لما تبقى من مفاهيم ومكونات الدولة.

لقد حاول عهد الوصاية أن يقضي على الدولة وأن يقيم مجرد سلطة تابعة له تنفذ أوامره. لم تكن المسألة تتعلق بتسمية رئيس الجمهورية فقط بل وصلت إلى حد تعيين الموظفين والتدخل في كل الأمور الصغيرة والكبيرة إلى حد الإلغاء الكامل لكل مظاهر السيادة. لم يكن النظام السوري مع اتفاق الطائف لأنه كان ينص على البدء بسحب جيشه من لبنان في ربيع العام 1992. ولم يكن مع انتخاب رينيه معوض رئيسًا للجمهورية لأنه كان يمثل توافقاً دوليًا عربيًا على استعادة السيادة اللبنانية. كان هناك مسار يجب أن يكتمل على مراحل ولذلك كانت “القوات” مع الطائف ليس لأنه مجرد اتفاق وحبر على ورق بل لأنه كان يشكل الطريق نحو استعادة السيادة. ولذلك كانت “القوات” ضد الإنقلاب على الطائف لأنه كان انقلابًا على هذا المسار بدءًا من اغتيال الرئيس رينيه معوض.

ذلك الإغتيال لم يكن إلا الخطوة الأولى. في العام 1992 كانت الخطوة الثانية الأكثر خطورة التي تمثلت بعملية اغتيال التمثيل المسيحي في السلطة بشكل كامل. بدل أن يبدأ انسحاب الجيش السوري من لبنان ربيع العام 1992 قررت سوريا إجراء الإنتخابات النيابية وقدمت موعدها من أجل تكوين سلطة جديدة ليس لها وظيفة إلا مبايعتها السلطة، وبدل أن يكون للمسيحيين من يمثلهم حقاً صار هناك مسيحيون يمثلون سوريا والنظام الأمني الذي ركبته في لبنان وعمل على اضطهاد أركان الطوائف المسيحية من البطريركية المارونية في بكركي حتى آخر المستويات. وعلى رغم ذلك لم تقبل “القوات اللبنانية” أن ترضخ وأن تدخل في التسويات وأن تكون شاهدة زور بل فضلت أن تبقى أمينة لتاريخها ولقدسية الرسالة التي تحملها ليس من أجلها فقط بل من أجل الجمهورية. كانت “القوات” منذ بدأت المقاومة متمسكة بالوصايا التي آمنت بها طريقاً نحو الدولة والحرية ولم تقبل أبدًا بعهد الوصاية الذي حاول أن يقتل هذه الدولة.

هكذا كان الياس الهراوي رئيسًا للجمهورية وعلى هذا الأساس تم التمديد له. ومن هناك صار الحكم اسمًا مجردًا من الوظيفة المفترض أن تكون له وتحول تقاسمًا للحصص. وعلى رغم كل المحاولات السورية لتكريس أسماء مسيحية جديدة في الحياة السياسية لم يستطع أي من هؤلاء أن يحجز له مكان بل ظلوا يتصرفون وكأنهم عابرون في هذا الزمن الرديء. وعندما حاول النظام السوري أن يجرب تغيير الطريقة وأتى بقائد الجيش العماد أميل لحود رئيسًا على قاعدة أنه الرئيس القوي الذي سيعيد للمسيحيين اعتبارهم فشلت التجربة سريعًا لأن الشخص لم يكن على قدر المهمة ولأن هذه المهمة كانت منتفية من الأساس بعدما تحولت إلى قضية واحدة: الحرب ضد الرئيس رفيق الحريري.

كان سمير جعجع في الإعتقال وميشال عون في باريس وكان الشارع المسيحي يتبعهما وكان نداء المطارنة الموارنة في أيلول 2000 كفيلاً بقلب الطاولة على رغم محاولة بعض المسؤولين المسيحيين التهجم على البطريرك صفير الذي بقي يحمل الشعلة وحيدًا. في العام 2005 كان زمن التغيير بعد اغتيال الرئيس الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان. إرادة التحرير انتصرت على إرادة الإحتلال. ولكن رمز الإحتلال السوري بقي في قصر بعبدا. كان ورثة عهد الوصاية يريدون ألا تكتمل عملية التحرير. لذلك تمسكوا به وبالفراغ من بعده ولم يفتحوا الطريق نحو انتخاب ميشال سليمان رئيسًا للجمهورية إلا بعد انقلاب 7 أيار 2008 العسكري الذي أرادوا من ورائه استكمال عملية الإنقلاب السياسي. كانت أول انتخابات رئاسية بعد عهد الوصاية الأصيل ولكنها لم تكن انتخابات بالمعنى الصحيح إنما استكمال لعمليات التسوية التي كانت تحصل. في آخر عهده رسم ميشال سليمان حدودًا للجمهورية ولسقف الرئاسة وأسقط المعادلة الثلاثية “الجيش والشعب والمقاومة” ولذلك اختار “حزب الله” الفراغ من بعده. لماذا؟ لأنه لا يريد أن يتستعيد لبنان هويته ورئاسته.

منذ اقترب موعد انتهاء ولاية سليمان قاربت “القوات اللبنانية” موضوع الرئاسة من المستوى الذي يجب أن يكون عليه. ولذلك طرح رئيس الحزب سمير جعجع برنامجه الرئاسي تحت عنوان “الجمهورية القوية”. لم يكن ذلك العنوان وتلك المقاربة إلا لوضع الأمور في نصابها ولمنع العودة إلى الزمن الذي كان فيه النظام السوري يعيّن رئيس الجمهورية اللبنانية. كانت “القوات” تريد أيضًا أن تعيد اللعبة إلى داخل مجلس النواب من أجل أن تستعيد المؤسسات أيضًا دورها ومن أجل أن تكون السيادة للدولة بغض النظر عمن يتولى السلطة. بدل أن تكون السلطة هي الهدف الأول والأخير جعلت “القوات” الدولة هي الهدف الأول والأخير. وهذا هو المشروع الذي قامت عليه 14 آذار في الأساس والذي أنزل الناس إلى الشارع في ذلك اليوم التاريخي مشروع العبور نحو الدولة. من دون هذا المشروع لا يبقى شيء من 14 آذار. لأن 14 آذار ليست تسوية على حساب الدولة. ولأن 14 آذار مع القرارات الدولية من القرار 1559 إلى القرار 1701 التي تنص على استعادة السيادة الكاملة بواسطة القوى المسلحة اللبنانية الرسمية وحدها بما يعنيه ذلك من تسلم سلاح “حزب الله” وحل أجهزته العسكرية وعودته من الحرب في سوريا. لأنه من دون ذلك لا ضمان لأمن أحد. لا الرئيس الفرنسي جاك شيراك ولا الرئيس الأميركي جورج بوش ولا الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان ولا موفده لتطبيق القرار 1559 تيري رود لارسن استطاعوا أن يجنبوا الرئيس رفيق الحريري شر الإغتيال على رغم الضمانات التي قدموها له والإنذارات التي وجهوها لرئيس النظام السوري بشار الأسد.

هذه هي الوصايا التي تؤمن بها “القوات اللبنانية” طريقاً لقيام الدولة والتي لا يمكن أن تكتمل إلا بصحة التمثيل المسيحي من خلال قانون جديد للإنتخابات النيابية. ولذلك لا تنظر “القوات” إلى الأشخاص بل إلى مشاريعهم. حتى عندما ذهبت إلى ورقة إعلان النوايا مع العماد ميشال عون لم تذهب إلى تسوية في موضوع رئاسة الجمهورية. وهي في علاقتها مع النائب سليمان فرنجية تفصل بين المسألتين وتريد أن يبقى الموقف من طرح اسمه مرشحًا للرئاسة على هذه القاعدة أيضًا وضمن إطار الإحترام المتبادل والممارسة الديمقراطية لأن ما يعني “القوات” أولاً وأخيرًا هو أن تكون الرئاسة طريقاً نحو استعادة القرار السياسي الحر ضمن خطة لاستعادة مؤسسات الدولة وإعادة التوازن إلى السلطات. فـ”القوات” لا تريد أن تفشل اليوم عملية استعادة الطائف ولا تريد أن تستمر عملية تعطيله التي حصلت في العام 1990 وتجددت في العام 2008 وتكررت في العام 2010 عندما تم إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري. ولذلك تريد “القوات” أن تكون الرئاسة على هذه الأسس من أجل إنقاذ الوضع الأمني واستعادة الإستقرار السياسي ومن أجل أن يتم القضاء على الفساد وتلبية حاجات الناس والتخلص من النفايات ومن أجل وطن لا يتم تقاسمه حصصًا.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل