
لم تتضح حتى الآن، دوافع المجزرة التي ارتكبها الزوجان الاميركيان سيد رضوان فاروق وتشفين مالك في مركز “انلاند” في سان برناردينو في ولاية كاليفورنيا، واودت بحياة 14 شخصا وجرح 17 آخرين. هل السبب فصل فاروق من العمل في المركز الحكومي للرعاية الصحية والاجتماعية؟ هل تعرض لمعاملة عنصرية ادت به الى الغضب والجنون؟ هل اصبح متطرفا يعمل وزوجته لحساب تنظيم ارهابي ما، كـ”داعش” مثلا؟
معرفة الدوافع هي ضرورة ملحة تقع في اعلى سلم اولويات الشرطة الاميركية التي قتلت المجرمين بعد مطاردة مسلحة بالسيارات. لأن التعامل مع شبكة ارهابية يختلف عن التعامل مع حالات فردية تحصل كثيرا في بلد يشرع لأي فرد اقتناء الاسلحة على انواعها. لكن احتمال الصلة الارهابية يضعف خصوصا ان للجناة علاقة شخصية مباشرة مع المستهدفين، اذ اكد شهود عيان ان فاروق كان يعمل لصالح مركز سان برناردينو الرسمي للرعاية الصحية والاجتماعية الذي كان يقيم حفل نهاية السنة لعامليه في مجمع «انلاند رجيونال سنتر» للعاملين في هذا القطاع. ثم اتى اول من امس الى المركز للمشاركة في الحفل، قبل ان يغادره غاضبا، ليعود بعدها مع زوجته وينفذا جريمتهما بحق زملائه في العمل.
ونادرا جدا حصول عملية ارهابية ضد اهداف تربط الجاني بالضحايا. وان تكون فرضية ازمة مالية او فصل تعسفي من العمل هي الدوافع الحقيقية للجريمة فهذا سيكون بالنسبة للمحققين اقل وطأة من دافع آخر مثل رد فعل غاضب على معاملة عنصرية بسبب ديانة او لون الجناة، لأن المسلمين عانوا في هذه الآونة من كراهية في الدول الغربية بسبب توسع ارهاب “داعش” وتزايد اعداد المهاجرين او اللاجئين الى الغرب.
وفي تفاصيل الحادثة كما روتها الشرطة الاميركية للصحافة المحلية ووكالات الاعلام العالمية، ان المدعو سيد رضوان فاروق (28 عاما) وزوجته تشفين مالك (27 عاما) اصطحبا صباح اول من امس رضيعتهما البالغة من العمر 6 أشهر إلى منزل والدة فاروق لكي تعتني بها بحجة ان لديهما موعدا مع الطبيب. ثم اتجه الزوج الى الحفل. لكن شيئا ما حصل خلال الحفل اغضبه فغادر على وجه السرعة عائدا الى منزله. فارتدى وزوجته بحلول الظهر ملابس قتالية وسلحا نفسيهما ببنادق ثم ركبا سيارتهما الرياضية السوداء “اس يو في” وعادا الى الحفل الذي اقتحماه بأسلحتهما الرشاشة، فقتلا 14 شخصا من الحضور وجرحا 17 آخرين.
وتعقبت الشرطة اثرهما بعدما غادرا موقع الجريمة، وقبل الغروب لقي الاثنان مصرعهما في تبادل لإطلاق النار خلال مطاردة، حيث كانت الزوجة تقود السيارة فيما كان الزوج يطلق النار على الشرطة من نافذتها. وبمقتلهما خلفا وراءهما لغزا عن الدوافع وراء هذه المذبحة.
وفاروق من مواليد الولايات المتحدة، كان يعمل اخصائيا للسلامة البيئية في مقاطعة سان برناردينو. ومن مهام عمله تفقد المطاعم للتأكد من عدم وجود مخالفات صحية، كما كانت مهنته تجعله في احيان اخرى يتفقد أحواض السباحة العامة في مواقع منها مجمعات الشقق السكنية والأندية وذلك لضمان استيفائها شروط النظافة والسلامة.
وتبين السجلات أنه كان يؤدي هذه المهام حتى شهر تموز الفائت. وقال جارود برجوان رئيس شرطة سان برناردينو “إن من الواضح أن إطلاق النار كان مدبرا مسبقا” وإن “المهاجمين تركا خلفهما عددا من العبوات المتفجرة التي يبدو أنها قنابل أنبوبية في مكان الجريمة”.
وقالت سو آن تشابمان، التي تعمل نادلة في مطعم تشاينا دول للوجبات السريعة، الذي تفقده فاروق هذا العام في إطار عمله إنه لم يكن يبدو عليه أي شيء غير عادي عندما زار المطعم. وأضافت تشابمان “كان في غاية الهدوء. فحص الطعام وقال إنه جاء لأن شخصا اشتكى. وبدا عاديا تماما”.
وقال حسام علوش المدير التنفيذي لفرع المجلس في لوس انجليس “ان أسرة فاروق هاجرت في الأصل من جنوب شرق آسيا في حين يعتقد أن الزوجة من باكستان وعاشت في السعودية قبل أن تسافر إلى الولايات المتحدة”. وأوضح أن لـ”فاروق شقيقا خدم في الجيش الأميركي”.
وتشير السجلات العامة إلى احتمال وجود اضطرابات في حياة فاروق عندما كان اصغر سنا. ففي عام 2006 تقدمت والدته رفيعة فاروق بطلب لمحكمة في ريفرسايد من أجل الطلاق من زوجها سيد فاروق. وذكرت في الطلب أمثلة عديدة على سوء معاملة الزوج لها وقالت إنه كان يهدد بقتل نفسه كل يوم. وقالت في وثائق المحكمة إن ابنها اضطر ذات مرة للتدخل بينهما لانقاذها.
ولم يعلق ديفيد بوديش المسؤول في مكتب التحقيقات الفدرالي (ف بي آي) في لوس انجليس على فرضية عمل ارهابي نفيا او تاكيدا. وفيما لم تحدد السلطات اي دافع ديني او عقائدي، سارعت مجموعة “مسلمي كاليفورنيا” الى ادانة الجريمة. وكانت الشرطة اكدت انها اوقفت شخصا ثالثا الا انها قالت لاحقا ان ليس له صلة بالهجوم او التخطيط له.
وندد الرئيس الاميركي باراك اوباما بالمجزرة، مؤكدا ان هذه الجرائم “ليس لها مثيل في اماكن اخرى في العالم”. وحصيلة ضحايا هذه الحادثة هذه هي الاعلى منذ المذبحة التي ارتكبت في كانون الاول 2012 في مدرسة ساندي هوك في نيوتاون (كونيكتيكت) حيث قتل 26 شخصا بينهم 20 طفلا.
وادت المشاهد الدموية في مركز “انلاند ريجونال سنتر” الى اثارة الذعر مجددا في قلوب الشعب الاميركي، حيث تلقت المدارس تعليمات بابقاء الطلاب في منازلهم وطلب من السكان ايضا لزوم منازلهم.
وحتى 27 تشرين الثاني الفائت، شهدت الولايات المتحدة هذا العام 351 عملية اطلاق نار جماعية، اي اكثر من واحدة في اليوم بحسب موقع متخصص يحصي مثل هذا النوع من الجرائم.