في الذكرى 50 لإعلان الأب شربل مخلوف طوباوياً، اتجهت نحو عنايا. لحظة وصولي إلى محبسة مار بطرس وبولس، ركعت تحت السنديانة الكبيرة وبدأت بالصلاة والتأمل. هنا الهدوء يبسط السكينة بغير حدود، فتشعر بحضور القديس شربل، بحضور الله- الإنسان الذي يملأ المكان. سرعان ما وجدت نفسي جالساً على مقعد حجر أمام الراهب-القديس وعينيه شبه مغمضتين، ووجهه ينضح بالنور:
– خير يا بنيّ
- – أنا مشتت
- -هل تمارس واجباتك الروحية؟
- -أجل لكن أشعر بالضعف.
- -صلّي ولا تخف.
- -لم اتقاعس عن اداء الصلوات اليومية ولا القداس، انما التجارب تداهمني من وقت إلى آخر، وتكاد تهوّرني.
- -كلّنا نتعرّض للتجارب، قلّ يا يسوع يا مريم.
- -ماذا أطلب منهما؟
- -يا أخي، إن الله يعرف كل شيء فينا، ومن يلتمس منه النعمة بثقة لا يخيّبه، فاطلب منه أن لا يسمح للشيطان أن يدخلك التجربة.
-ارتحت قليلاً، واسندت ظهري إلى جدار المحبسة، وقلت له:
- -أي طريق أسلك.
تنهّد وأخفض نظره أكثر باتجاه قلبه وقال:
- -صنّ نفسك. تواضع وأطع لله، وغذي فكرك بكلامه حتى توحّد ناسوتك بلاهوته.
- ماذا عن العفة؟
بصوت هادئ، وممتلىء الثقة قال:
- -هي فضيلة ملائكية، تقرّبنا من الملائكة، وتهدف إلى كبح كل ما هو غير مرتّب من اللذات الشهوانية. انها فضيلة شاقة لأننا لا نبلغ إلى ممارستها الا بتهذيب جسدنا وحواسنا وقمعها بالإماتة. وهي فضيلة لطيفة تشوهها أخف الهفوات الاختيارية.
- -ماذا عن الفقر؟
- -أرادنا المسيح أناساً مستعدين أن نبذل حياتنا من أجله ومن أجل بشارته، ومن يريد أن يحقق امنية المسيح، عليه أن يتعلّم كيف يتخلى عن الأموال والأشياء. ومن يحفظ ذلك في قلبه لن يصعب عليه أن يستقبل المسيح ساعة يأتي.
– كان يبدو على هيئته البساطة، الا انه مبهر بكلامه الواضح والمنوّر، وكل الفطنة وسرعة الخاطر.
تابعت معه الحوار، ففتحت له قلبي أكثر بعدما ارتحت إلى كلامه الذي كان يخرق الصخر ويليّن الحديد بل الذّ من اللذة عينها!
- -يا معلمي انني تعب من مشاكل الدنيا، ويرهقني أن اشارك الناس افراحهم وأتراحهم
ابتسم الأب شربل وقال:
- -لتكن مشيئة الله، ماذا لنا في هذه الدنيا؟ نحن فيها مسافرون إلى الأبدية.
كنت اعرف ان الأب شربل لا يحبّذ الكلام الطويل ويميل الى الصمت كإماتة. فهو يميت نفسه ليحيا حياة اسمى، لا يكفر بنفسه الا ليمتلك الله ولا يصارع الا ليتمتع بالسلام، ولا يموت عن ذاته الا ليحيا حياة يسوع.
- -كيف نجد السعادة؟
- -المسيح وحدو قادر يعطيك السعادة الحقيقية.
- -أعطني زوادة احملها معي في كل ايام حياتي.
وقف الأب شربل بقامته الطويلة وقال بهدوء:
- -الانسان الخاطئ بساعة الحساب، ما رح يعود يعتل الحساب العسير بقدر ما رح يخجل قدّام عظمة محبة الله. ويللي بيوصل قدّام الربّ خالي من المحبة بيموت خجل.
