إيران في العراق… بداية الشرق الأوسط الجديد

مرّ اختراق عشرات آلاف الإيرانيين الحدود العراقية المعترف بها دولياً، بحجة المجيء إلى كربلاء في ذكرى أربعين الحسين، مرور الكرام. مثل هذا الحادث، أي وجود إيران في العراق، كان يتسبب بحروب في الماضي، لكنهّ صار أمرا عادياً يمكن معالجته بتصريح من هنا وموقف مزايد من هناك، من دون أي رد فعل على الأرض.

إحتج العراق رسمياً، لكن الإحتجاج لم يترافق مع أي إجراءات ذات طابع جدّي من أي نوع. لن يكون للاحتجاج أي متابعة، نظراً إلى أنّ طابعه شكلي، بل من باب رفع العُتب لا أكثر. يكشف ذلك هشاشة السيادة العراقية وسقوط الحدود بين العراق وإيران في ضوء الغزو الأميركي لهذا البلد العربي، سابقاً، وتسليمه على صحن من فضّة إلى إيران.

سقط العراق وسقطت معه منطقة المشرق العربي، من دون أن يعني ذلك أن نظام صدّام حسين كان يجب أن يبقى وأنّه كان ضمانة للعراق والعراقيين ولمنظومة الأمن العربية، خصوصاً بعد احتلاله الكويت في العام 1990.

حطم إيرانيون منفذ الزرباطية بين العراق وإيران في محافظة واسط. دخل عشرات آلاف الإيرانيين الأراضي العراقية من دون تأشيرة أو إذن. حصل ذلك عن سابق تصوّر وتصميم في منطقة يزداد فيها يوماً بعد يوم عمق الشرخ المذهبي واتساعه. أرادت إيران بكلّ بساطة توجيه رسالة، إلى كلّ من يعنيه الأمر، بما في ذلك العراقيون أنفسهم. مضمون الرسالة أنّها لم تعد تعترف بالحدود الدولية للعراق، كدولة ذات سيادة. صار الرابط المذهبي فوق الحدود المعترف بها دولياً.

ما بدأ في العراق كان الفصل الأوّل من مسلسل نشهد في كلّ يوم فصلاً جديداً منه. عنوان المسلسل حلول الرابط المذهبي مكان السيادة الوطنية. صار هذا الرابط أهمّ بكثير من أيّ حدود، معترف بها، بين دولة عربية وأخرى. تفوّق المذهب على الحدود.

لذلك، لم يعد مستغرباً أن يدخل إيرانيون إلى العراق، بحجة إحياء أربعين الحسين، أو أيّ مناسبة دينية أو تاريخية أخرى من دون كلفة أو تأشيرة. الأرض أرضهم والبيوت بيوتهم وذلك منذ حصول الإتفاق الأميركي ـ الإيراني على خوض حرب العراق معاً.

لم يكن لدى الإدارة الأميركية أي حليف إقليمي حقيقي في حربها على العراق سوى إيران. في مقابل تعاون ايران ، قدّمت إدارة جورج بوش الابن كلّ التنازلات المطلوبة. شملت هذه التنازلات تلبية طلب يدعو إلى الإقرار بوجود “أكثرية شيعية في العراق”. وردت هذه العبارة في البيان الختامي لمؤتمر لندن الذي عقدته المعارضة العراقية في كانون الأول من العام 2002، أي قبل أربعة أشهر من بدء العملية العسكرية الأميركية. كان في الإمكان الكلام عن أكثرية عربية في العراق، في حال أخذنا في الاعتبار الشيعة العرب والسنّة العرب معاً. لماذا كان ذلك الإصرار على عبارة “الأكثرية الشيعية” والإصرار على التمييز بين القوميات والمذاهب؟

في كلّ الأحوال، وضعت إدارة بوش الابن حجر الزاوية للشرق الأوسط الجديد، انطلاقاً من العراق، بالتفاهم مع إيران. قبضت إيران سلفاً ثمن دفعها لبعض الأحزاب والتنظيمات الشيعية الموالية لها مثل “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية” إلى المشاركة في مؤتمر لندن وتوفير غطاء للإجتياح الأميركي الذي توّج بحدثين جاءا بعد إسقاط النظام الذي كان على رأسه صدام حسين.

تمثّل الحدث الأول بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي الذي كرّس تهميش السنّة العرب، والآخر حل الجيش العراقي، بما وفّر لاحقا حاضنة لـ”داعش” وكلّ الحركات الإرهابية التي مهدت لصعود هذا التنظيم الإرهابي وتمدّده في كلّ الاتجاهات. حصل ذلك بتشجيع من النظام السوري أوّلاً وبسبب وجود الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، تلك الميليشيات التي أخذت مكان الجيش العراقي ذي التاريخ الطويل والتقاليد العريقة.

يعطي تجاوز الحدود العراقية ـ الإيرانية بالطريقة التي حصلت فيها فكرة عن الشرق الأوسط الجديد الذي بدأ يتبلور في العام 2003. لم يعد غريباً بعد ذلك أن يربط “داعش” بين الأراضي السورية والأراضي العراقية التي فيها السنّة العرب وصولاً إلى الموصل المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو المليونين.

كذلك، لم يعد غريباً أن يتورّط “حزب الله” بصفة كونه ميليشيا مذهبية لبنانية تابعة لإيران في الحرب على الشعب السوري تحت شعارات تتحدّث عن حماية مزار الستّ زينب في ضواحي دمشق وقرى شيعية في الداخل السوري. عمليا، كان “حزب الله” يلبي طلباً إيرانياً يستهدف نجدة النظام السوري من منطلق انّه نظام أقلّوي لا أكثر.

ما نشهده حالياً أكثر من طبيعي في ضوء انهيار الحدود بين العراق وإيران نتيجة المغامرة التي أقدم عليها جورج بوش الابن الذي لم يكن يدرك النتائج التي ستترتب على مثل هذه المغامرة المجنونة.

من المفيد في مثل هذه الأيّام العودة إلى كلام صدر عن الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران في تبريره لدعم العراق عسكرياً في مطلع ثمانينات القرن الماضي.

وقتذاك، بدأت كفّة الحرب تميل لمصلحة إيران، فما كان من ميتران إلّا أن وافق على “تأجير” العراق ست طائرات “سوبر اتندار” لم تكن البحرية الفرنسية تمتلك غيرها، وتزويده صواريخ “اكزوسيت” وذلك من أجل ضرب الموانئ الإيرانية في الخليج.

قال الرئيس الفرنسي الراحل الذي لم يكن مغرماً بصدام حسين بأيّ شكل، إن المسألة تتجاوز الحدود القائمة بين بلدين. شدّد على ضرورة المحافظة على هذه الحدود التي عمرها مئات السنين، نظراً إلى أنّها “حدود بين حضارتين عظيمتين”.

شدّد أيضاً على أن المحافظة على هذه الحدود تعني المحافظة على التوازن الإقليمي. انتهت الحرب العراقية ـ الإيرانية التي استمرّت ثماني سنوات بالمحافظة على التوازن الإقليمي. كان ذلك في العام 1988. كلّ ما يمكن قوله الآن إن هذا التوازن انهار في ضوء وضع إيران يدها على العراق بدعم أميركي.

لم يكن الحدث العراقي مجرّد تغيير لنظام كان يجب تغييره ولكن في ظروف مختلفة وأخذ في الاعتبار للمشروع التوسّعي الإيراني الذي يستثمر في الغرائز المذهبية. ترك هذا الحدث انعكاساته على كلّ المنطقة، خصوصاً في سوريا التي صارت أرضاً مستباحة بعدما رفض النظام فيها الانصياع للإرادة الشعبية وفضل الدخول بدوره في الحرب المذهبية الدائرة في الإقليم.

ما زلنا في بداية حال المخاض التي يمرّ فيها الشرق الأوسط. المشهد الذي شاهدناه عند إحدى نقاط الحدود بين العراق وايران مشهد تكرّر وسيتكرّر. انّه حقّا الشرق الأوسط الجديد الذي نرى فيه تنسيقاً روسياً ـ إسرائيلياً في سوريا مع تغاضٍ إيراني تام عن ذلك وتجاهل له.

المصدر:
الراي الكويتية

خبر عاجل