إستوقفتني- كما استوقفت كثيرين- تصريحات العسكريين اللبنانيين الذين كانوا مُختطفين لدى “جبهة النصرة” لمدة سنة وأربعة أشهر، إذ بدوا لحظة تحريرهم منفعلين حتى الحدود القصوى ولحاهم تلامس صدورهم ووجوههم محتقنة ونظراتهم زائغة من الفرح والذهول كأنهم لم يُصدقوا أنهم أصبحوا أحرارا ولم يعودوا مُختطفين لدى جبهة النصرة، كلهم شكروا خاطفيهم، وأكدوا أنهم عُوملوا أحسن معاملة، وصرّحوا بأن جبهة النصرة غير إرهابية، وبدا واضحا لدى بعضهم التناقض بين أقواله وتعابير وجهه التي أفصحت عن عكس كلامه.
ويحضرني مشهد مماثل، وهو تصريحات راهبات معلولا عند تحريرهن من الخاطفين وهي جبهة النصرة أيضا، كيف صرحن أن الخاطفين عاملوهن أحسن معاملة.
العلاقة بين الخاطف والمخطوف معقّدة جدا، ومعاناة المخطوف أصعب من معاناة المسجون، لأن السجين يخضع لقوانين معينة وقد يتأمل بعفو أو وساطة ويمكنه أن يوكل محاميا للدفاع عنه، أما المخطوف فهو خاضع لمزاج جماعة تتخذه رهينة، وتملك ملكية تامة التصرف به، ومن المدهش أن العسكريين اللبنانيين شكروا “جبهة النصرة” التي شاهدوها كيف ذبحت وقطعت رؤوس زملاء لهم في الجيش، ولا زالت تحتفظ بمخطوفين من العساكر اللبنانيين وغير اللبنانيين.
في الطب النفسي تسمى هذه الحالة بظاهرة الإنكار أي أن الشخص الذي يخضع لظروف قاهرة ولا يملك حريته وقرار التحكم بحياته ويخضع خضوعا تاما لسلطة مستبدة تسيطر على حياته ولا يملك تجاهها أيّ وسيلة للدفاع عن نفسه، فإنه أمام هذا الواقع الكارثي والكابوسي يُقنع نفسه ويُوهمها بأن المُستبد والمتحكم بحياته ومصيره هو شخص رائع، أو أن هذه الجماعة إنسانية وتثير الإعجاب وتستحق الشكر، بل يصل الأمر بمن يعانون من ظاهرة الإنكار إلى الإعجاب حدّ التماهي مع المُستبد الخاطف.
وقد لا يكون المستبد خاطفا، قد يكون حاكما ورئيس دولة يضطر المواطن المُروع من الخوف من السجن والإعتقال وحتى الخطف، إلى إظهار مشاعر زائفة من الإعجاب بالحاكم المستبد وتأليهه ووضع صورته في مكتبه أو بيته أو حتى في ساعته، ويبرر من يخضع لظاهرة الإنكار كل تصرفات وجرائم الخاطفين، كما يبرر المواطن المسكين في عالمنا العربي كل مظاهر الفساد والاستبداد لدى الحكام، حتى أنه يبرر لهم ثرواتهم الطائلة، ويبرّر لهم زج مئات الآلاف من الشبان في السجون لمجرد أن لهم رأيا مُختلفا أو معارضين لحزب الحاكم.
وكم من مرة سمعت مواطنين مساكين مغلوبين على أمرهم يتكلمون كالببغاء ويقولون: الله أعلم بفلان أيّ جرم ارتكب حتى حكموا عليه بالسجن لعشرة أعوام، وهم يعرفون في أعماقهم أن فلان لم يرتكب أيّ جرم سوى أنه يُفكّر بطريقة مُختلفة، لكن من الصعب على الإنسان مسلوب الحرية والإرادة والتحكم بحياته ومصيره، وعلى جهازه العصبي وعي هذه الحقيقة باستمرار والاعتراف بها، إذ قد يؤدي هذا الوعي إلى إنهياره نفسيا أو حتى إنتحاره.
فأيّ حياة هذه والمواطن يعيش مع أسرته وأولاده وفي عمله تحت وطأة استبداد مُطلق قادر أن يمحوه من الوجود بالبساطة التي يدوس بها شخص على صرصار، ولنتخيل حال المخطوف وهو قابع في سجن الخاطف واعيا كل لحظة أن حدّ السكين قد يحز رقبته وأنه في اللحظة التالية قد يكون رأسه في جهة وجسده مقطوع الرأس ينتفض في جهة أخرى، كيف يمكن لإنسان أن يتحمل تلك الحقيقة؟
سيصيبه الإنهيار والجنون بالتأكيد، لذا يلجأ الجهاز العصبي كي يحمي الإنسان من الانهيار النفسي إلى إنكار الواقع وإنكار الحقيقة، وإلى خلق واقع مُتخيّل بأن الخاطف على حق وهو لن يؤذيه بل هو إنساني وحنون، بل يصل الأمر أحيانا إلى التماهي مع الخاطف والإعجاب به وتمثّل صفاته.
كما يصل الأمر بالمواطن الذي يعيش في ظل أنظمة مستبدة إلى الإعجاب بمظاهر الاستبداد، فيرقص كالقرد في المسيرات المؤيدة ويرجع مرددا شعارات تأليه الوطن الذي يمثله الحاكم، ويبرر لهذا الحاكم قتل المدنيين وسجنهم وزجهم في معارك، ويبرر كل مظاهر انتهاك أسرة الحاكم للشعب المسكين الذي يفتقد لدولة القانون والعدالة والمواطنة ولا تحكمه سوى شريعة الغاب أي الحق للأقوى، لكن لا يمكن تعميم ظاهرة الإنكار على الجميع بل هي تصيب أشخاصا يخضعون لظروف بالغة القسوة، ويشعرون بالعجز عن تحمل كل هذه الضغوط المخيفة والساحقة فيلجؤون إلى أمان الوهم أو الإنكار.
وكما سمعنا في الإعلام فإن العسكريين اللبنانيين المحررين من الخطف من قبل “جبهة النصرة” سوف يخضعون إلى علاج نفسي يستمر طويلا كي يعودوا إلى ذاتهم وشخصيتهم الحقيقية وكي يتحرّروا فعلا من الآثار الرهيبة الكارثية لتجربة الخطف التي استمرت ستة عشر شهرا، كي يستطيعوا أن يعترفوا أن خاطفيهم إرهابيون، كي يبكوا ندما أنهم شكروا خاطفيهم وقد شاهدوهم كيف ذبحوا أصدقاءهم، وكيف استبدوا بهم وحرموهم من أُسرهم وحياتهم الطبيعية.
أتأمل أن يأتي يوم يتحرر فيه المواطن العربي الذي يعيش في ظل أنظمة استبدادية من ظاهرة الإنكار، وأن يعود إلى ذاته الحقيقية التي غيّبها الخوف تحت ألف حجاب وحجاب، وأن يستطيع المواطن أن يجهر بالحق، لأن لا معنى لحياة في غياب الإحساس بالكرامة والحرية، فظاهرة الإنكار لا تخص المُختطفين فقط بل كل إنسان يشعر بخطر كبير على وجوده وحياة أولاده، كل مواطن يعيش وحياته ومصيره في قبضة حكم استبدادي قادر أن يشطبه من الوجود وأن يقطع لقمة عيشه وأن يزج به في السجون المدة التي يشاء وأن يعدمه تحت أيّ تهمة يلفقها له.
ظاهرة الإنكار هي ظاهرة تستحق الدراسة والاعتراف بها على الأقل في عالمنا العربي، لأن الاعتراف بالمشكلة هو نصف حلها. العدو الحقيقي للإنسان هو الخوف وليس الموت، لأن الموت مصير كل كائن حي، أما الخوف فهو الذي يشل الطاقة على العيش الكريم ومواجهة الواقع مهما كان قاسيا.